يثير مصطلح القصة القصيرة جملة من الأسئلة التي لا بدّ من قول كلمات محددات حولها بما أن المصطلح يحيل إلى جنس أدبي له إشكاليات وهموم متنوعة.
لقد حار المنظرون والمهتمون بالنظرية الأدبية في الإجابة عن عدد من التساؤلات التي يبعثها البحث في تاريخ هذا الجنس الأدبي أو قراءة واقعه ومحاولة التنبؤ بمستقبله، واستطاع فن القصة القصيرة أن يخلق حوله ثلة من البؤر المعرفية التي تجبر القارئ على محاولة اقتراح مشاريع أجوبة لأسئلة الفن، وبما أن هذا الجنس تتجاذبه تيارات عديدة، وتتناوشه منازع مختلفة فقد كثرت تعريفاته التي تبارى عديدون في صوغها، كل منهم وفق المفهوم الذي وضعه في حسبانه، مثلما حاول بعضهم الهروب من محاولة تعريفه لأنهم وجدوا أن لا سبيل إلى الإحاطة به([1]).
ولا نبتغي من الكلام السابق إعطاء القصة القصيرة قيمة ليست هي بأهل لها، وإنما هذا ما استخلصناه من قراءتنا لكثير مما قيل حول هذا الفن.
إذ لا يخفى على امرئ أن محاولة تعريف جنس أدبي –أي جنس- أمر له إشكالياته ومنزلقاته نظراً لخصوصية الفن، وكون الفن دائم التحول والتجدّد ويسعى كل كاتب متميز أن يضيف جديداً في سيرورة الفن الذي يمارسه([2]) ، من هنا فإن الفن حقل متجدّد الخصوبة، متنوّع المشارب، وهذا ما أكده فن القصة القصيرة الذي بدا أنه قابل للتجريب، وساعٍ دائماً لكسر الأطر والقواعد النظرية.
ويمكن للمرء أن يحاول تصنيف بعض خصوصيات هذا الفن من موازنته بأجناس أدبية وفنون أخرى من جهة([3])، ومن خلال البحث في مكوناته وأركانه وعناصره من جهة أخرى، وفي الحالتين معاً تكون النتيجة مجموعة اقتراحات للتأطير، وليست حدوداً ثابتة أو عناصر لا يخرج من دائرتها شيء.
إضافة إلى ما سبق فإن مصطلح القصة القصيرة بات يحمل في أثنائه عدداً من المفاهيم التي قد تختلف من دارس لآخر مما يفرض على الباحث ضرورة تحديد مراده حين يستعمل هذا المصطلح ليكون ذلك أكثر دقة وعلمية([4]).
ويبدو أن وجهات النظر مهما تعدّدت في هذا الجنس الأدبي وتعريفه فإن رابطاً ما يشدّها بقوة وهو انتماؤه إلى السرد- النثر([5])، وإن بات على المرء أن يكون متحفظاً قليلاً لو حاول البحث بعمق في أركان هذا الجنس بخاصة أن ملامح غنائية يمكن أن تظهر فيه وصفات انفعالية أحياناً([6]). يمكن أن نجدها أيضاً، ولعل بحث علاقته في بعض الأجناس الأدبية يسهم في تحديد بعض معالمه، ومثل هذا البحث في علائقه كان الطريق الأرحب الذي حاول من خلاله عدد من النقاد تحديد سماته وخصوصياته.
عن علاقته مع الرواية يمكن القول: إن هذه العلاقة قد شغلت النقاد زمناً، ولجؤوا إلى هذه الموازنة في سعيهم إلى تحديد خصائص القصة القصيرة، وخرجوا بفوارق شتى نصَّت عليها أفكارهم([7])، ويبدو أن مبعث مثل هذه المقارنة شعورهم بأنهما ينتميان إلى النثر، لكن بقليل من الانتباه نجد أن الفوارق هائلة في آلية المعالجة وفي النظر إلى الأشياء، ويبدو أن ذلك شارك فيه مسألة القصر والطول وهي قضية متسعة حاول المهتمون الوقوف عليها([8])، متخذين منها أحد الصوى الرئيسية للتفريق بين هذين النمطين اللذين تجمعهما أشياء عديدة مثلما تفرقهما أشياء أخرى، وليست عوامل التشابه هذه بين القصة والرواية الوحيدة من حيث علاقة القصة بالأجناس الأخرى لأنها أيضاً تتشابه في محاور عديدة مع فن الشعر بخاصة في تطوراتها اللاحقة، وتحاول الإفادة من بعض خصائصه، ويبدو هذا أكثر ما يبدو على صعيد التعامل مع اللغة، واللجوء للمفارقة وأشياء أخرى، إلا أن هذا التشابه أو التعاون لا يعني وجود عنصر آخذ وآخر معطٍ بل إن الشعر أيضاً استفاد من بعض خصائصها([9])ومثل هذا التداخل ليس جديداً وإن كان قد أخذ أمداء أوسع في ظل الرؤى النقدية الحديثة الدعوة إلى (النص المفتوح) وكسر الحواجز بين الأجناس الأدبية، وتبدو الحرارة التي يمكن أن تكتب في ضوئها بعض أنماط القصة القصيرة أكثر قرباً من الشعر بخاصة الاستفادة من تجربة انفعالية متكئة على لحظة زمنية خاصة ووعي حاد في بعض القضايا، وتنطلق مثل هذه الوشائج لتصل إلى أجناس أخرى مثل المقالة من حيث الوظيفة الملقاة على عاتقها ومباشرة غاياتها في بعض النماذج([10])، مثلما تستفيد بعض أنماط المقالة من فن القصة القصيرة.
أما عن علاقة القصة مع الدراما فهي علاقة تدخل في صلب فن القصة القصيرة لأن أحد مكوناتها الإحساس الدرامي الذي يولد إيقاعاً سريعاً تتطلبه([11])هي وإيجازاً وتكثيفاً من أخص خصائصها، وإن علاقتها مع الدراما لا تشكل علاقة طارئة يمكن أن يستفاد منها طوراً وتلغى تارةً، بل العلاقة وجودية وإن اختلفت درجة الاستفادة وانعكاسها على نوعية التوتر المتولد في النص القصصي بحسب النمط الذي يكتبه الكاتب والآليات الأخرى، إلا أن هذه الدراما ضرورة ملحة تكسب فن القصة الكثير من الخصوصية الضرورية لأن لها ثمرات على بناه تخص الإيقاع والتشويق مع الاحترام لأنماط القصة القصيرة التي تتأسس على عناصر أخرى من مثل (القصة اللوحة). ويمكن أن تستفيد القصة القصيرة من أجناس أدبية أخرى وفنون عديدة، وهذا ما بدا جلياً من خلال سيرورتها وفي تجلياتها الأخيرة إذ سعى المجددون والمجربون إلى محاولات استفادة من الفن التشكيلي والسيناريو والمسرح والسينما وسوى ذلك([12]). وقدمت تجارب عديدة كانت واضحة المعالم في سيرورتها وفي جرها إلى آفاق جديدة، ويمكن لها أيضاً أن تستفيد من بعض معطيات الأدب الشعبي وخصوصياته، وهي التي يمكن أن تنقل لنا عدداً من التفصيلات الحميمة التي تجعلها أكثر قرباً منا([13]).
إن مجموع العلائق التي تحدثنا عنها بين فن القصة القصيرة والفنون والأجناس الأخرى لا يعني أنها هجينة([14]) وتتكون من مجموعة عناصر من مختلف الأجناس، بل يعني قابلية هذا الجنس للتعاون مع الأجناس وإمكانية التجديد والتجريب، ويمكن أن يكون بآن واحد ملحمياً وغنائياً مع بعض السمات الرومانسية والواقعية وسوى ذلك([15]).
وهذا يتيح لنا الحديث قليلاً عن تاريخه وبداياته، والعوامل التي أثَّرت في سيرورته، وبما أن الميدان هنا ليس ميدان تفصيل، بل ميدان اختصار نقول: إن معظم المؤرخين ومتابعي هذا الجنس الأدبي قد عدّوا ثلاثة من أعلامه هم الذين تركوا بصماتهم على تبلوره الفني الأولي هم (أدغار آلان بو- وغي دي موباسان- وأنطون تشيخوف([16])). وإنَّ الأثر الذي تركه كل واحد منهم يكمل أثر الآخر وقد شاركوا جميعاً في ترسيخه وتحديد صياغة له وإن كانوا ينتمون إلى ثقافات متعددة لكنهم عاشوا في فترة متقاربة متتالية.
ولا شك أنه مثل أي جنس أدبي آخر ارتهن بمجموعة من الأمور التي تخص دوره، وكيفية انتقاله من أطوار التسلية إلى الوظيفة الواضحة، وإلى تأثره بمجموع الحركات الاجتماعية التي ساهمت في إخصابه وتفعيله([17])، وإن كان مفهومه اليوم يختلف عن مفهوم التشكل في نقاط رئيسية، وهذا طبيعي في سيرورة كل جنس أدبي، يتطور ويتنوع تبعاً للعصر، وكي يبقى محافظاً على حياته لا بد له من مرونة تكسبه المزيد من الغنى والخصب.
ويمكن لنا أن نقف عند وشائجه مع المجتمع والواقع الذي يمتح منه، وهي وشائج إشكالية توقف عندها الدارسون طويلاً، إذ مما لا شك فيه أنه في تجلياته الكتابية المختلفة قد كان استجابة لمعطيات اجتماعية فرضته، وأسهمت في نهضته وهذا طبيعي في تاريخ الفنون الأدبية والإبداعية إذ لا بد لكل فن من ظرف اجتماعي ينهض في كنفه، ويستمد كثيراً من نسغه من أجواء هذا الظرف، وكل تطور بارز في سيرورته لا بد له من تواشج ظرف اجتماعي مع ظرف فكري مع مجموعة من المبدعين الذين يستطيعون فتح كوى جديدة للفن والتعبير عن معطيات الواقع الذي يعيشونه، وقد كانت وشيجة هذا الفن بالواقع محوراً من المحاور التي تُنُوِلَتْ عبر سيرورته، وهذا لم يكن يخصه وحده وإنما طال الرواية أيضاً، ومما لا يختلف عليه اثنان هو دور الواقع في صياغة الفن([18])لكن يختلف هذان الاثنان وغيرهما في آلية الصياغة والانتقال من المحاكاة إلى الانعكاس ومن ثمة إلى المخالفة في ظل معطيات عديدة ذات جوانب فكرية واجتماعية وذاتية تفرزها مجموعة الظروف المحيطة والأحوال المرافقة لتاريخ الفن، إضافة إلى الوظيفة التي يسعى إلى تحقيقها والوعي الذي يريد أن يوصله، فالفن يحاول اختزال كثير من التجارب الواقعية عبر رؤى واعية ويحدد الموقف منها والسبيل إلى تنميتها أو تجاوزها مثلما يكتفي في حالات عديدة بالإشارة إليها ولفت الأنظار، وهذا يفرز بدوره نصوصاً ليست بسوية واحدة، لها علاقة بالموهبة والمدركات والوقائع وفهم دور الفن، لكن لا بد من تأكيد أمرين يخصان علاقة فن القصة القصيرة بالواقع فهو ليس محاكاة وتطابقاً مع هذا الواقع، وهو أيضاً لا يمكن أن يتخلى عن علاقته مع الواقع، هذه العلاقة التي تمدّه بالكثير من الخصوصية، فالفن هو "صيغة متميزة لمعرفة العالم جمالياً"([19]) وللفن أيضاً مرجع يصدر عنه ويحيل إليه لذلك فإن له دلالة يضمرها أو يظهرها([20]).
أما صلاته بالمتلقي وآليات هذه الصلات ووظيفته ومقولاته التي يريد أن يقولها وعلاقته بالفرد أساساً والشفاهية والكتابية فهي قضايا تستحق بعض النقاش فقد تحدّدت كثير من سمات القصة القصيرة ووظائفها في ضوء وشائجها بالمتلقي، الذي حرصت على إبقاء مجموعة من العلائق معه لأن للأدب غايات لا تتحقق إن فقدت هذه الصلات معه، ولئن كان الحرص على هذه العلائق يقود أحياناً بعض القاصين إلى شيء من المباشرة، لكن يمكن أن يحافظ على الفني إلى جانب الإيصال([21]).
إن القصة القصيرة منذ بداياتها كانت تضع في حسبانها مجموعة من المقولات التي تريد إيصالها إلى القارئ، وذلك بعد أن تخلت عن أسسها الترفيهية والبوليسية والوعظية لكن هذه الأهداف لا تعني أنها تخلت عن تلك الأسس، بل يعني أنها يمكن أن توصل ما تريده خلالها، ويلحظ في نصوص عديدة أن الأيديولوجية تزيد على حدّها مما يهدّد جوانبها الفنية، فهي لا تهدف إلى إشباع القارئ بقدر ما تريد أن تحرِّض بعض الجوانب في نفسيته وآليات تفكيره، لقد تغيرت آليات علاقتها مع المتلقي تبعاً لسيرورتها التاريخية إلى أن وصلت في نصوص محدثة إلى التوجه إليه مباشرة وبصراحة وكأنها تعود في ذلك إلى الاستفادة من جذورها الشفوية، وقد تنازعتها عبر تاريخها الرغبتان الشفوية والكتابية([22])، وقد نجح معظم كتابها بإجراء شيء من التوازن بين هاتين الغايتين اللتين باتتا تسهمان في بنائها وتكوينها من حيث الحكاية والتشويق والوسائل الفنية الأخرى، ومع أنه وجدت حالات تجديدية حاولت تخليصها من شفاهيتها وجرّها إلى عالم الكتابة فقط وإلغاء الحكاية والتتابع وسوى ذلك، إلا أن الأيام أثبتت أن هذا الفن مرتبط بكتابيته مثلما هو مرتبط بشفاهيته مع كل محاولات التجديد التي لا تفسد للود قضية!
وقد نجحت القصة القصيرة بما أنها تحاول التعبير عن المغمورين والمأزومين([23]) محاولة التنبيه على الوعي الحاد لاستيحاش الإنسان([24]) فيما صبت إليه وكتبت قصص عديدة عن شخصيات لا يتاح لها التعبير عن نفسها محاولة التركيز على المصير الفردي وهو في خضم الجماعة، وهي في كل تجلياتها ومحاولات التجديد فيها لم تخفف من علاقتها مع المتلقي لإدراك كتابها أن إنهاء العلاقة مع المتلقي سيؤدي إلى وأد الفن، وأنّ أيّ تجديد لا يضع في حسبانه طبيعة الفن وخصوصيته وعلائقه مع المتلقي هو تجديد لا يفيد ولن يسهم في فتح مدارك جديدة أمام الفن.
أما مكوّناتها وتقنياتها وعناصرها التي تنوعت بتنوع سيرورتها ومفهومها والعوامل المؤثرة فيها فهي تدل على أن العناصر المكونة لكل جنس أدبي غير قارّة ولا ثابتة، قد يطالها التطوير وقد يُهمَّش دور بعضها تبعاً لأشياء كثيرة لها علاقة في تكوين كل جنس أدبي من مثل المعطيات الاجتماعية، والوظيفة التي يضعها في حسبانه، إضافة إلى محاولات التجديد التي يقوم بها بعض كتابه([25]).
وعلى الرغم من الكلام السابق إلا أن ثمة مجموعة من العوامل عرفت بها القصة القصيرة في سيرورتها وإن طال بعضها الكثير من الاحتجاج، وقد ولَّد التنوع في الرؤية وفهم الفن ودوره، وكيفية الاستفادة من عناصره، ولَّد كل هذا عدداً من الأنماط القصصية إضافة إلى أنه خلَّف أيضاً عدداً من التيارات الكتابية([26])التي وُجدتْ في سيرورة هذا الفن، على أنه من الضروري تأكيد أن هذه التيارات والأنماط لم تكن متلاحقة بحيث إن من الضروري أن يكون نص اليوم أجود من نص الماضي، بل إن كل فترة من الفترات عرفت هذا النمط أو ذاك.
ولا بدّ للمرء من أن يشير إلى أن ثلة من العناصر قد غلبت على النصوص القصصية، لكن لا نستطيع تعميمها على جميع النصوص وفحصها في ضوء تلك العناصر، لأنّ كل تجربة قصصية تحاول التجديد تخلق عناصرها الخاصة، وإن كانت تتكئ على بعض العناصر المعروفة، لذا فإنه من الأجدى الإشارة إلى العناصر ليس بصفتها عناصر ثابتة في كل قصة، بل بصفة إمكانية ورودها إذ لكل قاص ما يشاء أن يختار من العناصر وفق رؤيته، ووفق ما يستدعيه نصه، وفي كل مرحلة قصصية يوجد بعض القاصين الذين اختاروا طريق التجديد والتجريب، مثلما يحاول قاصون آخرون المحافظة على التقاليد القصصية المعروفة.
وقد بدأت محاولات تحديد مكونات القصة القصيرة مع إدغار آلان بو من خلال تركيزه على وحدات ثلاث([27]
المزيد