الرومانسية في الشعر العربي الحديث……../ هدى الخطيب

أيار 27th, 2007 كتبها الكاتب نشر في , نقد

أحبّ الشعر العربي قديمه و حديثه و أعشق هذه اللغة الثرية الموسيقية التي تستطيع أن تصور المعنى بدقّة  تعجز عن مثله اللغات الأخرى، لطالما تفاخرت أمام الغربيين بالشعر الموزون و بحور الشعر العربي، المتنبي و الحب العذري عند جميل بثينة، أسماء كبيرة و كثيرة نفخر ونتغنى بها، كذلك في الشعر الحديث و النثر أحببت نزار قبّاني و محمود درويش إلخ…وبالرغم من كلّ الثراء و الجمال في شعرنا و أدبنا العربي، و بالرغم من أنّي عربية جداً و أعشق كل ما هو عربي و لكن

حين تتعب و تتمرد الروح التي تسكن جسدي و نفسي و هي روح متمردة تعلن رفضها بشراسة و تتشنج في كلّ خلية من دمي، حين يصدمها هول الأنباء و قبح بشرية السائد والدارج و مادّية الزمن  تراني كثيراً ما كنت أتناول من على رفّ المكتبة شعرا لم يكتب بلغة الضاد الجميلة و أنتقل بها و معها إلى المذهب الرومانسي في الأدب العالمي و أترك روحي تطمئنّ و تنهل من أدب الرسائل عند جان جاك روسو( هليلواز الجديدة) و شعر الشاعر الانكليزي توماس كراي و وليم بلايك و صبغته الصوفية الرمزية الذي يلخص فلسفته الأدبية بقوله _ :
" أن ترى عالماً في حبّة رمل
  و سماء في زهرة بريّة
  و أن تمسك اللانهاية في راحة يدك
  و الأبدية في ساعة.. "
و من الشعراء الألمان شيللر و بورجي و جوته - (آلام فارتر )
و أودّ هنا أن أقتبس بعض ما قاله جيته لصديقه أكريمان الذي أجد به أصدق تعبير عن قدرة الشعر و الأدب الراقي  في الوصول إلى أنفسنا وتهدئة أرواحنا:
" كل امرئ يأتي عليه حين من دهره، يظن فيه أنّ فرتر كتبت له خاصّة."
قرأت : هليويز الجدي

المزيد


قراءة في قصة جيم لجبير المليحان…./ بقلم: زكي العيلة

أيار 27th, 2007 كتبها الكاتب نشر في , نقد

ترصد قصة (جيم) للقاص جبير المليحان ساعات من حياة مواطن عربي عائد من عمله في البحرين، حيث يلاحقه التنقيب والتفتيش في جمارك الملك فهد، وفي حاجز الدمام قرب بيته.

وفي المقابل تبرز الصورة النقيض التي تكتمل بها معالم الصورة، حينما تلفت زوجته نظره إلى العنوان العريض البارز الذي يتمدد أمراً طبيعياً في أعلى الصفحة الأولى في جريدة الرياض: "جريدة الرياض ترصد ثمانية ملايين ريال لجوائز المسابقة الشهرية"

لتنهال الصور والرؤى عبر ذاكرته من خلال اعتماد العناوين الجانبية، والتقطيع القائم على استحضار تقنيات السينما، حيث تتداخل في تلقائية المستويات الزمنية، وزوايا الرؤية المتعددة عبر الرجوع والارتداد والاستباق الذي لا يخضع للترتيب النمطي، وهو يكشف أبعاد ذلك الأنموذج الملفع بالمرارة في واقع لا يعطيه غير الشقاء المتمثل في انتظاره ثلاث عشرة سنة حتى يأتيه القرض الحكومي لبناء بيت لأولاده في حي الحمراء بالدمام، على شكل دفعتين، وعندما يطلب الدفعة الثالثة، يقومون في البنك بخصم أقساط منه تعادل نصف قرضه بحجة النظام، وتنفيذ التعليمات، رغم أن البيت مازال هياكل لم تكتمل، مما يجعل عملية إكمال بنائه أمراً مستحيلاً، خاصة في ضوء مطالبة المقاول بحقوق أجرته المتراكمة.
في ظل هذا الواقع، يلوِّن التقطيع والمونتاج المادة بأخيلة متوترة، تجعل ترابط الأحداث أكثر منطقية وانضباطاً.
فالزوجة التي ما تزال تُلح على قراءة خبر مسابقة جريدة الرياض والملايين الثمانية، تبدو مشاركة في الفعل عبر الدق على خزان الراهن بكل مافيه من تناقضات، ومحاولات إلهاء وتخدير من خلال الربط بين خبر الجائزة الملهاة، وخبر ذلك الرجل (جيم) المطلوب توقيعه على أوراق تؤكد حقوقه في وراثة عمه الميلياردير المتوفى في البرازيل، لتنفتح عوالم أخرى من العجائبية والمسخ.
فجيم هذا الكائن المشبوه،غير المرئي أضحى مطلوباً بعد مذكرة القضاء البرازيلي، تلاحقه وزارة الخارجية

المزيد


إبراهيم نصرالله في ديوانه ( مرايا الملائكة …../ عدنان مدانات

أيار 20th, 2007 كتبها الكاتب نشر في , نقد

ثمة طموح متبادل بين السينمائيين والشعراء المعاصرين ( كما أيضا ، كتاب القصة والرواية المعاصرون ) : بعض السينمائيين يفرحون عندما يصف ناقد ما أفلامهم بأنها مثل قصيدة الشعر أو بأنها ( أفلام شاعرية ) ، بالمقابل يسعى بعض الشعراء لإغناء تجربتهم في كتابة القصيدة عن طريق تضمين أشعارهم صورا وصفية وتقسيم مادة قصائدهم إلى مشاهد يراد منها ان تكون قريبة او شبيهة بالمشاهد السينمائية . والطريف في الأمر ان تلك المشاهد المكتوبة في النص الشعري بطموح سينمائي ، كانت ممارسة متداولة منذ القدم عند شعراء العالم ومنهم بخاصة ، الشاعر الروسي الكسندر بوشكين ابن القرن التاسع عشر والذي أصبحت بعض قصائده تدرس في القرن العشرين في معاهد السينما كأمثلة على كيف يجب كتابة المشهد السينمائي ، غير ان شعراء ذاك الزمن لم يكونوا يعرفون السينما ، التي لم تكن بطبيعة الحال قد وجدت بعد ، وبالتالي لم يكن بالإمكان أن تتولد لديهم الحماسة للإقتداء بها ، هذا في حين ان السينمائيين جاءوا إلى السينما بعد معايشة طويلة مع الشعر الذي شكل إلى حد كبير جزءا هاما من ذائقتهم الفنية . فما الذي يجعل الشعراء ، وهم الأصل الذين يتبعهم الغاوون ، يقعون تحت إغواء السينما ؟
من الواضح أن ثمة سحرا خاصا للسينما . هذا السحر ، في جزء منه ، يعود إلى قدرة السينما على جعل المشاهد يعيش التجربة او الحالة المعروضة عليه على نحو اكثر حسية و عيانية من بقية الأنواع الإبداعية ، الفنية الأدبية الأخرى ، مستفيدا من التأثير المزدوج والفوري في آن واحد لتقنياته السمعية / البصرية .
الشاعر إبراهيم نصرالله ، على ما اعرف ، من اكثر الشعراء العرب وقوعا تحت إغواء السينما . وهو أكد على هذه الغواية في نصوصه الروائية ، وأحدها، وهو ( الأمواج البرية ) ، مكتوب على شاكلة السيناريو السينمائي ، وفي دواوينه الشعرية ، كما في تجربته في كتابة النقد السينمائي التي جمعها في مؤلف واحد بعنوان ( هزائم المنتصرين … السينما بين حرية الإبداع ومنطق السوق ) والذي استهله بمقدمة طويلة تحكي عن حبه للسينما وعن دورها في بناء ثقافته ووعيه وعن تأثر إبداعه الأدبي بها .
ويمكن تلمس هذه الغواية لدى إبراهيم نصرالله بوضوح في ديوانه الأخير ذي العنوان القريب الصلة بالسينما ( مرايا الملائكة ) ، ربما على اعتبار أن المرايا وسيلة لعكس الصور تكون فيها الصور مطابقة للأصل ، كما هو الأمر في السينما . ونجد في ديوان مرايا الملائكة قصيدة تحت عنوان ( الصورة ) :
: أين أنت ؟
أشير إلى صورتي
حينما تختفي صورتي يسألون
: أين أنت ؟
فأحتار ..
أين أنا ؟ !
لم تكن لي مرايا
ولم أر ظلي فوق الجدار.

موضوع جميع قصائد ديوان ( مرايا الملائكة ) هو الموت ، وبالذات موت طفلة فلسطينية شهيدة وهي لم تبلغ من العمر إلا أربعة أشهر ، أي أن القصائد في نهاية المطاف ، تشكل بنية واحدة متكاملة .
وثمة فيلم إيطالي حديث لاقى صدى نقديا إيجابيا كبيرا موضوعه أيضا الموت وهو فيلم ( غرفة الابن ) الذي يعرض على المشاهدين أجواء الكآبة والحزن المخيمين على أفراد أسرة طبيب نفسي بعد موت ابنه المراهق غرقا .
وفي ظني ان مقارنة مقتضبة ، من حيث البنية وخصوصية وسيلة التعبير او النوع ، ما بين الديوان / القصيدة ( مرايا الملائكة ) وبين فيلم ( غرفة الابن ) الذي اعتبره بعض النقاد فيلما / قصيدة عن الموت والحزن ، يمكن ان تساعد على تلمس بعض جوانب العلاقات ما بين السينما والشعر . وإذ نشير إلى أن المقارنة المقترحة ترتبط بمجالي البنية ووسيلة التعبير فهذا يعني عدم مقارنة المضمون في الفيلمين ذي الصلة بأسباب الموت ، حيث ان مثل هذه المقارنة ليست عادلة ، إذ ان موت الطفلة ( شهيدة ) في الديوان يرتبط بقضية كبيرة ويعكس مأساة شعب ، في حين ان موت الابن في الفيلم موت عادي عرضي وفردي .
وهكذا ،
ثمة أربع مقاربات يمكن الانطلاق منها لتقصي العلاقة بين السينما والشعر ( الشعر ليس بمعنى الشعرية ، بل بمعنى الشعر كنوع أدبي ) عبر مثالي الديوان والفيلم : البنية ، التقنية ، طبيعة الصورة الفنية و أخيرا .. الروح الشعرية و من ثم الشحنة العاطفية او الانفعالية التي تغمر المتلقي .
هناك أولا ، البنية .. القائمة على السرد الوصفي البصري للحكاية وتقطيع السرد إلى مشاهد ذات بنية جزئية متكاملة تتشكل من مجموعها البنية العامة للعمل ككل .
فيلم ( غرفة الابن ) مبني كحكاية واحدة متسلسلة الأحداث ( رغم مشاهد العودة إلى الماضي ) ، والقائمة في معظمها ، أي الأحداث ، على التفاصيل النثرية للحياة اليومية العادية الرتيبة للطبيب وأسرته داخل المنزل او له وحده أثناء ممارسة عمله داخل العيادة . ويتم التعبير عن أجواء الحزن على نحو مباشر من خلال تصوير السكون المخيم على أجواء المنزل ، بمعنى ان الفيلم يحاول ان يصف بشكل حسي عياني أجواء الحزن ، ولكن ونتيجة لذلك ، دون ان يتمكن من السمو بها إلى آفاق جديدة .
ديوان ( مرايا الملائكة ) مبني من مشاهد متوالية تختلط أو تتبادل المواقع فيها الأحلام والرؤى والوصف البصري سواء لأحداث أو لوقائع او لحالات أو لمحاورات بين الشخصيات ( ويبدو لي ان البنية التي اعتمدها الشاعر إبراهيم نصرالله هنا ، هي ، من حيث تأثرها بالسينما ، أقرب ما يكون إلى بنية فيلم ( الجدار) للمخرج ألان باركر ، الفيلم الأقرب إلى البنية الشعرية والقائم على مزيج من الرؤى والكوابيس وأحلام اليقظة ) . ضمن هذه البنية تكثر العناوين الفرعية للقصائد / المشاهد ، المفردة التي تستخدم فيها كلمات من نوع ( ر

المزيد


(مرايا الملائكة) أول كتاب شعري فلسطيني- عربي يستلهم انتفاضة الأقصى……./ أحمد دخبور

أيار 20th, 2007 كتبها الكاتب نشر في , نقد

ليس المشهد في أن الدم لا يزال أخضر وحسب، ولكن هذا الأخضر لا يزال ينزف ويصبغ أيامنا بالأرجوان القاني. ولايزال الطفلان محمد الدرة وإيمان حجو يضربان عميقاً في وجدان البشرية، فيعبران القرن العشرين إلى الألفية الثالثة بمزيد من الأطفال الشهداء. أما السيد العالم فهو يبحث في إمكانية السؤال عما إذا وقعت في مخيم جنين مجزرة أم لم تقع.. وأخيراً وأولاً، لا يزال الشعب الفلسطيني عصياً على الموت، ذاهباً إلى المستقبل بكل شروط الحياة.

قد تفيد كلمات كهذه وغيرها في تصدير مطالعة سياسية أو ملف وطني. وسيكون علينا أن نتدبر الأمر، بصعوبة ملحوظة، لجعلها تلائم تقديم رزمة ساخنة من الشعر المكتوب بدم القلب. ويبدو ألا مناص من المصالحة –في حالات استثنائية كالتي نعيش-بين الشرط الأدبي وارتفاع حرارة الخطاب، من غير أن يترتب على ذلك تقريريّة فجة. يشجعنا على ذلك أن المتصدي لهذه المهمة شاعر فلسطيني متمرس هو ابراهيم نصر الله.وإلى ذلك ،يظل من حق هذا الشاعر أن نعترف لمجموعته (مرايا الملائكة) بأنها أول كتاب شعري فلسطيني- وعربي بطبيعة الحال- يستلهم انتفاضة الأقصى قبل اندراج عامها الثاني في جسد الزمن. فقد صدرت هذه المجموعة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عمان وبيروت عام 2001. ومع أن الشاعر يستوحي مأساة استشهاد الطفلة إيمان حجو ذات الشهور الأربعة، إلا أن من حقه الانتباه إلى أن القصائد لم تتوسل المناسبة بل تسللت منها إلى الأسئلة الكبرى المتصلة بالطفولة والعدل والحرية والحرب على العدوان.

ومع أن الإشارة سبقت ، في زاوية سابقة، إلى سجل ابراهيم نصر الله الأدبي، إلا أن التذكير ببعض نتاجه يتناسب مع الوفاء لتقليد متبع أصبح ، كما أظن، جزءاً من عيد الأربعاء. وقد اصدر ابراهيم منذ عام 1980 -الذي شهد ميلاد مجموعته الشعرية الأولى (الخيول على مشارف المدينة)- اثنتي عشرة مجموعة شعرية ، منها (نعمان يسترد لونه) و(لفتى النهر والجنرال) و (كتاب الموت والموتى) و (بسم الأم والابن) وقد يذكر القارئ المعني أن هذه الصفحة كان لها وقفة مطولة مع المجموعة الأخيرة. كما أصدر ابراهيم نصر الله ست روايات متميزة ، وله كتب تتعلق بالفن السينمائي والرسم. وقد نتذكر أن ولعه بالتصوير الفوتغرافي يتجاوز الهواية إلى الاحتراف والتميز وقد حصد عدداً كبيراً من الجوائز الأدبية وترجمت بعض أعماله إلى عدد من اللغات الحية.

الصراع السرمدي

في البداية ، وبملاحظة نثرية حذرة تحاول ألا تقسر القارئ على توجه محدد، أوضح الشاعر أن الآلهة في أساطير الأغريق وسواهم (كانت مع البطل وضده ، أما الحكاية الفلسطينية فتحتضن بطولة أخرى. معلنة وقوف الإنسان عارياً لا يملك بذخ أن يحصي عدد أولئك الذين يقفون معه أو عدد المتناسلين من رحم أعدائه). وبقليل من التأمل نرى أن المأساة الفلسطينية، حتى لو لم يقصد الشاعر ذلك، تعيد إنتاج المآسي الإنسانية من أغريقية وغيرها. ولكن مع اختلاف يكفله انتقال اللغة من الميثولوجيا إلى التاريخ . فما كان آلهةً متحكمةً عبرت عنها المخيلة الإنسانية في محاولة دؤوبة لقراءة الواقع، أصبح قوى سياسيةً ودولاً ذات اصطفافات مختلفة. وظل الصراع السرمدي منذ الأزل حتى اللحظة الراهنة – ولا نريد المجازفة بتمديد النبوءة إلىالأبد – قائماً بين الإنسان وقوى الضغط المرئية والمدرَكة. وإذا كان صراع الشعوب من أجل الحرية ينتقل بلحظة الصراع إلى مأساة الجماعة وبطولتها ، فإن المعاناة الفردية لم تتبخر تحت شمس الملاحم الحارقة. بل إن الفرد في اللحظة الفلسطينية وأخواتها يبدو مندغماً في البلاد حتى التوحد:

ولكنه من صبيحة ذاك الدم المرّ عاد
إلى بيته، وعلى كتفيه سماء البلاد

ومن المفارق أن الطفلة الشهيدة التي فجَّر استشهادها هذه المجموعة ، هي بنت أربعة أشهر، فلا ذاكرة لها حتى تحتضن البلاد ، ودير البلح ، والعتبات ، والأزقة ، والمدرسة التي لن تدخلها. لكن هذه المفارقة بدل أن تحبط الشاعر ، كان من شأنها أن تمده بالمتخيل الممكن. فهذا الذي لم يحدث هو الحلم الذي اغتاله الغزاة، وهو العمر الذي اختطفوه من إيمان حجو، بينما تكمل أمها بناء صيرورتها فتنشئها وتجعلها تكبر وتناجيها وهي تدرك أن هذا العمر اليانع الذي سرقوه يظل استحقاقاً عبثياً بقدرما هوحق، مستحيلاً . فلن تعود الطفلة إلى الحياة. ولكن هذا لا يعني أن طالب الحق مجرد حاطب ليل. فمرايا الملائكة تتسع لكل إيمان حجو قادمة حتى لا يلحق القتل اللاإنساني بأي طفل مستقبلاً . هي ذي أمها تربيها على مرأى من الشعر والمأساة:

أمسد غرّتها كي تطول
أباعد نجمين حتى تنام وأدعو السماء
ليبقى النهار لها سنداً مثل أم وأب

ويتمادى حلم الأم التي ستربي جدائل الطفلة ، وتعلمها خطوات الطيور،وتجهز لها ثوب الفرح، ولن تنسى الحذاء ذا الكعب العالي. ويذهب الحلم إلى الحب فالزواج. وتكون فسحة للخيال يظهر فيه أبناء هذه الطفلة .. أليس هذا هوحلم الآباء والأمهات؟ ولكن لا أوهام لدى أم إيمان حجو فليس ما تعيشه إلا حلماً تقف دونه الحرب والطفولة المهدورة. فالذي جرى في الحقيقة هو:

قطرة من دم –سقطت –صعدت –مثل روح

ويكون أن (يجلس الموت خارج باب الصغيرة). وإذا كان شأن الإنسان منذ فجر الخليقة أن يحار في أمر الموت بين تسليم بالقدر وتساؤل عن الحكمة في ذلك، فإن الأمر هنا مختلف تماماً. فهذا موت جائر، مقصود، أنزله محتل غاشم في برعم إنساني لم يتح له، ولن يتاح، أن يعرف السبب. فهذه الطفلة الشهيدة هي،بحق، وكما يقول أول سطر في المجموعة : ( طائر في الأعالي انذبح) وقد واتت القافية الشاعر المعني بالمواءمة بين (انذبح)وبين (دير البلح) فأتت بأكثر مما هومرجوّ منها لقصيدة موزونة مقفاة. فالطائر انذبح ولم يذبحوه. لا لتبرئة الغزاة الجناة، بل لتأكيد هول موت الطفلة البريئة. إن فعل (انذبح) هنا يقابل فعل (مات) من حيث أنه فعل غير ذاتي ولكن المتلقي يدرك جيداً ، وبشكل فادح ، من هو الفاعل الحقيقي لهذا الفعل.

قواعد الكتابة

في كلمته المثبتة على الغلاف الأخير للمجموعة ، يتساءل د. فيصل دراج: ( هل تبدأ الكتابة من قواعد الكتابة، إن وجدت، أم من رغبة في البوح لا قواعد لها؟). وفي هذا التساؤل الماكر درجة عالية – مقبولة على غير عادة – مما يسميه المناطقة المصادرة على المطلوب. فمن الواضح أن الناقد يزيح عبء (قواعد الكتابة) عن كاهل الشاعر وينحاز إلى بوح لا قواعد له . وحتى تستقيم الأمور وتربح المصادرة، يجب أن تكون الكتابة في درجة الغليان ، على حد تعبير محمود درويش وخلافاً لدرجة الصفر التي بشر


المزيد


موسوعة كتّاب فلسطين………….، / أحمد دحبور

أيار 20th, 2007 كتبها الكاتب نشر في , نقد

  لم تكن النكبة التي لحقت بالعرب، والفلسطينيين بخاصة، عام 1948،مجرد جرح وطني قومي، مما يمكن أن تلأمه معركة عسكرية أو جولة مفاوضات ؛ بقدر ما هي حالة متفاقمة تزداد فداحة مع تقدم الزمن. ولا أدل على ذلك من نشوء أجيال فلسطينية موزعة على ثلاثة أجزاء من الوطن وعلى المنافي القريبة والبعيدة، العربية وغير العربية. ويتضاعف هذا الأثر التراجيدي عند مفارقة نادرة. فالفلسطيني متمسك بهويته حتى العصاب.  وهو، أيضاً، غير منادى بموجب هذه الهوية دائماً، ويصعب أن نحصي الحالات التي يلتبس فيها الأمر على غير الفلسطيني تجاه الفلسطيني، فيظنه أردنياً تارة، ولبنانياً تارة، وسورياً ومصرياً أو عراقياً أو حتى مغربياً في بعض الحالات.

وبما أننا عرب ـ وإنه قسم لو تعلمون عظيم ـ فقد لا يأخذ هذا الالتباس هيئة المشكلة، بل إن الكثير من الفلسطينيين وصلوا في بعض الدول العربية ـ ولا سيما في الأردن، ثم في سورية ـ إلى أعلى المناصب الحكومية. ولكن استحقاق الهوية يكون محرجاً

ومربكاً في أفق النظام الإقليمي العربي، وفي صلب السؤال الفلسطيني على المستوى السياسي. فما دام الآخرـ الصهيوني ينفي الهوية الفلسطينية ـ إلا بالصيغة المسبقة التي يهندسها لتأكيد الاحتلال وجعل الفلسطينيين حرس حدود لكيانه ـ فإن إدغام الفلسطيني في العربي يعني تذويب الموجة في البحر. وبقدر ما هو مجد للموجة الفلسطينية أن تكون جزءاً من البحر العربي، فإنه يظل مطلوباً تحديد الملامح الفلسطينية كرد وطني، قومي، حضاري، على مشروع الإحلال الصهيوني، مما يلزمنا بتلوين هذه الموجة على الخريطة ولو إلى حين.

وفي هذا الإطار، ترتقي الحاجة الإجرائية إلى مستوى المطلب الوطني، وحتى القومي، عندما يتعلق الأمر بالأعمال الأنثولوجية التي تؤكد الحضور الفلسطيني، والإسهام الفلسطيني في غير مجال واختصاص من حقول المعرفة، وفي هذا الإطار يأتي جهد أحمد عمر شاهين المتوج بكتاب أريد له أن يكون " موسوعة كتاب فلسطين في القرن العشرين ".

وقد أنجز هذا الكاتب العصامي، بما يشبه الجهاد اليومي على امتداد سنوات طويلة، عمله هذا بعد تمرس وخبرة وطول تجربة مع العمل الثقافي فقد نقل إلى العربية زهاء عشرين كتاباً، فيها الرواية، والقصة، والسيرة الذاتية، والشهادة، والدراسة النقدية، والبحث السيكولوجي.  وكان من حقه أن يفوز بجائزة الرواية بعد أن أنجز روايته العاشرة، "حمدان طليقاً"، وكان قد بدأ هذه المسيرة بروايته "ونزل القرية غريب" التي أصدرها عام 1977، إضافة إلى مجموعتين من القصص القصيرة الطليعية.  وإلى ذلك، حقق أحمد عمر شاهين وحرر كتباً تتصل بالحياة والإنتاج لكل من يهودا عميحاي، وإسعاف النشاشيبي، وخليل بيدس، إضافة إلى كتاب عن رمسيس الثاني وعصره.  أما في ميدان البحث والتوثيق فقد اشترك مع الأستاذ فؤاد عباس في إصدار "معجم الأمثال الشعبية الفلسطينية" وأنجز، بجهده الذاتي العصامي، هذا السفر الذي بين أيدينا " موسوعة كتاب فلسطين في القرن العشرين".

تسعة عشر وثمانمئة

صدرت هذه الموسوعة، عن المركز القومي الفلسطيني للدراسات والتوثيق برئاسة الأستاذ عبد الله الحوراني.  وهي الطبعة الثانية، المزيدة كثيراً، بعد أن صدرت الطبعة الأولى عام 1992، عن دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية التي كان على رأسها أيضاً أبو منيف عبد الله الحوراني.  على أن الجهد الذي بذله أحمد عمر شاهين بين الطبعتين، يكاد يكون مضاعفاً.  فقد اشتملت الطبعة الأولى من هذه الموسوعة على زهاء خمسمئة اسم، بينما بلغ عدد أسماء الكتاب في الطبعة الثانية تسعة عشر وثمانمئة. ومن يعرف ظروف أحمد عمر شاهين الذي يصعب عليه التنقل بين البلدان، يدرك أي جهد خارق بذله لإنجاز هذا العمل الكبير.  ومع ذلك، ولأن، الكمال غاية لا تدرك، فإلى جانب الاهتمام والترحيب اللذين لقيتهما الطبعة الأولى، برز هناك من يشكك ويرسم دوائر المؤامرات الافتراضية. ولو حظي هذا المشكك أو ذاك بظهور اسمه في الموسوعة، لكان الجهد الذي بذله أحمد عمر شاهين خيراً وبركة، ودعوني أتركه يتولى الرد على منتقدي الطبعة الأولى، وذلك من خلال ما جاء في مقدمته للطبعة الثانية التي أمامنا الآن.  فهو يقول إن هدفه من الموسوعة "كان الأدباء فقط من شعراء وروائيين وقصاصين ومترجمين، وإذا كانت احتوت على أسماء بعض الكتاب السياسيين، فذلك بسبب وجود إبداعات أدبية لهم ليس إلا.." وتأكيداً لما ذهب إليه صاحب الموسوعة، نرى متسعاً لاسم المرحوم جمال الحسيني الذي كان من الزعامات الفلسطينية في الثلاثينات.  ولكن مسوغ وجوده في هذه الموسوعة أنه أصدر روايتين، هما "على سكة الحجاز" و"ثريا".  وكذلك المرحوم جبرائيل أبو سعدى الذي كان زعيماً روحياً بوصفه نائباً بطريركياً عاماً، لكن له كتباً في الدراسات الأدبية عن تاريخ الأدب العربي والنهضة الأدبية في لبنان، وعن حافظ ابراهيم، وخليل مطران، وفوزي المعلوف، كما أن له رواية بعنوان "لماذا ليس أنت؟" صادرة منذ عام 1939، ورواية مقتبسة عن الفرنسية بعنوان "أخوات العدل".كما يلفت نظرنا في هذه الموسوعة، اسم أحمد الشقيري مؤسس منظمة التحرير الفلسطينية وأول رئيس للجنتها التنفيذية، والسبب واضح فالكتب العديدة التي ألفها، لا تقتصر على السياسة بالمعنى المتداول والجاف للكلمة، بل إن فيها مستوى فكرياً وجهداً بحثياً ملحوظاً. وهو ما ينسحب أيضاً على شخصية وطنية مرموقة مثل المرحوم خالد الحسن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح. لأن كتبه وإن كانت سياسية إلا أنها تميزت بحس أدبي، ونذكر في هذا المجال، كتابه الطريف "يوميات حمار وطني". أما المرحوم الحاج أمين الحسيني فلا مجال لإنكار أن كتبه سياسية تماماً إلى حد أنها قد تكون أجوبة من الحاج أمين عن أسئلة صحفية محددة، كما هو الأمر في كتابه " حقائق عن قضية فلسطين". وأحسب أن صاحب الموسوعة أعطى فرصة استثنائية كهذه لكتاب "غير أدبي أو فكري" نظراً للأهمية التاريخية للحاج أمين الحسيني. وفي يقيني أنه ما من فلسطيني ـ مهما كان موقفه من الهيئة العربية العليا وسياسة الحاج أمين وتاريخه سيعترض على هذا الاستثناء. ولأن التمييز بين ما هو سياسي (أو تخصصي بشكل عام) وبين ما هو أدبي، أمر يتعلق بمقاييس غير نهائية، فمن الطبيعي أن تبرز بعض الاجتهادات والاختلافات، بحيث يرى بعض النقاد ظلماً في تغييب هذا الاسم أو ذاك، ولهؤلاء يقول صاحب الموسوعة في مقدمته للطبعة الثانية:" الهدف من الموسوعة هو التوثيق وإعطاء معلومات مختصرة عن الكتاب، حتى أني أطلقت عليها –بطاقات- ولم يكن الهدف تناول الأدباء وأعمالهم ووجهة نظر النقد إليهم، فذلك جهد يأتي بعد ذلك، لتكون هناك موسوعات للروائيين والقصاصين والشعراء والسياسيين من وجهة نظر نقدية، تعطي لكل ذي حق حقه.  لذا أرجو أن ينظر إلى الموسوعة في إطار هدفها المحدد الذي وضعت لأجله".  والأهم من هذا، أن طبيعة العمل الموسوعي قابلة للزيادة، والتعديل باستمرار.  فمع كل طبعة جديدة تضاف أسماء ومعلومات جديدة، إما بسبب ظهور هذه الأسماء والمعلومات الجديدة مع دورة الحياة، وإما استدراكاً من المؤلف الذي يمكن أن تكون فاتته بعض الأشياء خلال عملية البحث والتوثيق.

التحقق من الأسماء

يذكر أحمد عمر شاهين عدداً من الأسباب الوجيهة لعدم استيفاء أسماء أدباء فلسطين جميعاً في موسوعته هذه.  وفي طليعة هذه الأسباب شتات الكتاب الفلسطينيين وصعوبة الاتصال بهم، وهي مسألة جغرافية ليس له يد فيها.  وهناك سبب آخر لا يقل أهمية، هو نقص المعلومات.  فقد يعثر الباحث على اسم كاتب فلسطيني، لكنه لا يعرف شيئاً عن ميلاده وعناوين كتبه، فيفضل تأجيل إدراج اسمه، على المغامرة بالوقوع في الغلط.  ولأنني قريب منه، فإنني أستطيع أن أذكر مثالاً.  هو الكاتب الباحث الصديق زياد منى الذي صبر حتى قوي عوده ونضجت أدواته البحثية، فخرج مرة واحدة بمجموعة كتب تتعلق باليهود والتوراة، إلا أنني إذا كنت أعرف أنه من بيت حنينا، فإنني لم أستطع أن أقدم إلى صاحب الموسوعة بشأن ميلاده إلا تخمينات لا يمكن أن تتبناها موسوعة تتوخى الدقة، فضلاً عن عدم توفر أسماء كتبه كلها، وصعوبة الاتصال به خلال فترة إعداد الموسوعة.  وإذا كان هذا مثالاً سهلاً  فإن لدى أحمد عمر شاهين ما يقول في هذا المجال:" لدي مثلاً أكثر من خمسين اسماً لكتاب وأعمالهم.  وليس لدي أي معلومات عنهم على الرغم من الجهد الذي بذل في محاولة الحصول على هذه المعلومات.  ولذا لم أدرجهم هنا"، إلا أنه لا يكتفي بتقرير هذا الواقع المؤلم، بل يتوجه بنداء سبق أن وجهه في مقدمة الطبعة الأولى، هو "..تظل الدعوة قائمة إلى من لم يجد اسمه في هذه الموسوعة، أن يتفضل بإرسال البيانات الخاصة به..وكذلك من يريد أن يضيف أو يصحح المعلومات التي تخصه".  وبهذا التواضع وبهذا الإخلاص للحقيقة يواصل أحمد عمر شاهين جهده الموسوعي.  ومع ذلك فقد اعترضته مشكلات من نوع آخر، طريفة مضحكة ومؤسية في آن.  أساسها حجم الادعاء عند بعض الكتاب، ومراوغة تاريخ الميلاد، وبخاصة عند الأديبات، حتى أن كاتبة معروفة اتصلت من بلاد بعيدة جداً، تشتم وتبكي وتهدد برفع دعوى إلى القضاء، لأن الموسوعة كشفت عمرها الحقيقي!؟  وهناك من واتته الشجاعة لتغيير تاريخ ميلاده من عام 1935 إلى عام 1947 دفعة واحدة!! وآخر زعم أنه تبوأ موقعاً في مؤسسة اعتبارية ينكر أصحابها أن يكون قد توفر له فيها ذلك الموقع.  وثالث أعطى معلومات تفصيلية عن حياته، أقل ما يقال فيها، لو أخذناها على محمل الجد، أنه أحد القادة البارزين في نضال العالم الثالث.  ولنا أن نقدر حرج صاحب ال

المزيد


اختطاف أوروبا……../ أحمد جميل الحسن

أيار 20th, 2007 كتبها الكاتب نشر في , نقد

عندما نريد أن نكتب قصصاً للأطفال نكون أمام خيار صعب في اختيار الآلية العملية الناجعة للوصول إلى ملكات الطفل، والأسلوب الذي يناسب سناً محددة بعينها من الأطفال حتى يفي الإبداع بالغرض بأمانة تنبع من حس مرهف بتطلعات وأحلام البراعم التي ما تزال تنسج رحيق الحياة وتستورد آمالها من المحيطين بها، لا أنكر أنها عملية صعبة تستأهل الجهد والمثابرة والمعرفة العميقة الدارية بهذا الفن القصصي الذي يناسب ويتناسب مع الطفولة بكافة مراحلها، ومدى تأثير إيقاعه على النفس الفتية وتأثرها به، ولكن على الرغم من هذه الصعوبة نجد أقلاماً تكتب بسلاسة ويسر، وتقيم وزنا كافيا لانفعالات وأحاسيس الأطفال، ولعل أقدم أنواع القص التي كان يستمع إليها الأطفال هي (الخراريف) الخرافة وأبرع منتجيها كان الجدات اللواتي تخصب مخيلتهن بالأسطورة المتوارثة أو بالأسطورة المبتدعة، ومع التطورات في المجتمعات البشرية نظمت هذه النوعية القصصية وأصبح لها مدارسها.

(اختطاف أوروبا) رواية جديدة للفتيان للأديب القاص يحيى أبو شقرة صادرة عن دار العائدي للنشر والدراسات والترجمة عام (2002) وهي الرواية الثالثة له بعد روايتي (أدونيس وعشتار والعالم السفلي) و (ملك الجهات الأربع) وجميعها موجهة للفتيان، ويبدو أن القاص مغرم بهذا النوع من القص الذي يعتمد الأسطورة مادته، وحوادثها حكايته، منطلقاً من ذاكرته التي تتصور الأنماط الأولية التي واجه بها الإنسان الطبيعة، وهيمنت على تصرفاته اللا شعورية والشعورية، التي تحرك القاص ضمن جغرافيتها ورسم لنا من خياله الأدبي التحركات والأفعال والحوادث التي قامت بها شخصيات روايته.

يحاكي أبو شقرة عقل القارئ المتلقي بلغة تناولت الأسطورة بوصف خيالي ضبط من خلاله الحدث بأسلوب متميز عن غيره من كتاب هذا النوع من القصص، ترى أوروبا ابنة الملك أجينور ملك مدينة صور الفينيقية حلما مخيفا فيتنبأ لها كاهن بابل بما سيحل بها نتيجة هذا الحلم: (قال الكاهن: إن هذا الحلم يشير إلى صعوبة ما ستواجه أختك أوروبا مستقبلا، وإلى أيام شقاء ستعيشها ولا شيء يبشر بالخير، لكن عليك أن تدعو الآلهة كي تحفظها وتصونها، وتجنبها الشقاء والألم، وعليك الآن أن تسرع باتجاه (صور)، وخذ معك هذه الأبخرة وهذه الأعشاب واجعلها تتناول منقوعها، فتشفى سريعا ولا تنس أن تتوسل إلى الآلهة بخشوع كي تجنب أوروبا الشقاء والتعاسة) ص7.

من خلال هذا المقتبس يتبين لنا أن الكاتب اعتمد النبوءة وتحقيقها وهي إحدى الأنماط السبعة من (التابيولوجيا) التي هي نتاج التصور الميثولوجي حسب رأي (نورثروب فراي) فأبو شقرة قدم لهذه النبوءة في المنام الذي رأته أوروبا، ثم مهد لتحقيقها بعد تفسير الكاهن لهذا المنام، ثم تحققت بخطف أوروبا على يد (زيوس) كبير آلهة اليونان: (خرج الثور إلى الشاطئ، وهناك انقلب إلى شخصيته الحقيقية، رجلاً وسيماً يشع النور من عينيه المتوقدتين إنه زيوس الذي يحمل أوروبا وانطلق إلى قصره على أعلى قمم جبل الأولمب) ص14، يمتلك يحيى خبرة في محاكات اليافعين من خلال تسلسل متواتر للأحداث والتمهيد لحدوثها، مما يضفي التشويق لمعرفة كيفية حدوثها.

ومن خلال إيقاع الآلهة والبطل الخارق تجول في الرواية حضارات وأعرا

المزيد


تساؤلات حول فن القصة القصيرة/ د.أحمد جاسم الحسين

أيار 20th, 2007 كتبها الكاتب نشر في , نقد

يثير مصطلح القصة القصيرة جملة من الأسئلة التي لا بدّ من قول كلمات محددات حولها بما أن المصطلح يحيل إلى جنس أدبي له إشكاليات وهموم متنوعة.

لقد حار المنظرون والمهتمون بالنظرية الأدبية في الإجابة عن عدد من التساؤلات التي يبعثها البحث في تاريخ هذا الجنس الأدبي أو قراءة واقعه ومحاولة التنبؤ بمستقبله، واستطاع فن القصة القصيرة أن يخلق حوله ثلة من البؤر المعرفية التي تجبر القارئ على محاولة اقتراح مشاريع أجوبة لأسئلة الفن، وبما أن هذا الجنس تتجاذبه تيارات عديدة، وتتناوشه منازع مختلفة فقد كثرت تعريفاته التي تبارى عديدون في صوغها، كل منهم وفق المفهوم الذي وضعه في حسبانه، مثلما حاول بعضهم الهروب من محاولة تعريفه لأنهم وجدوا أن لا سبيل إلى الإحاطة به([1]).

ولا نبتغي من الكلام السابق إعطاء القصة القصيرة قيمة ليست هي بأهل لها، وإنما هذا ما استخلصناه من قراءتنا لكثير مما قيل حول هذا الفن.

إذ لا يخفى على امرئ أن محاولة تعريف جنس أدبي أي جنس- أمر له إشكالياته ومنزلقاته نظراً لخصوصية الفن، وكون الفن دائم التحول والتجدّد ويسعى كل كاتب متميز أن يضيف جديداً في سيرورة الفن الذي يمارسه([2]) ، من هنا فإن الفن حقل متجدّد الخصوبة، متنوّع المشارب، وهذا ما أكده فن القصة القصيرة الذي بدا أنه قابل للتجريب، وساعٍ دائماً لكسر الأطر والقواعد النظرية.

ويمكن للمرء أن يحاول تصنيف بعض خصوصيات هذا الفن من موازنته بأجناس أدبية وفنون أخرى من جهة([3])، ومن خلال البحث في مكوناته وأركانه وعناصره من جهة أخرى، وفي الحالتين معاً تكون النتيجة مجموعة اقتراحات للتأطير، وليست حدوداً ثابتة أو عناصر لا يخرج من دائرتها شيء.

إضافة إلى ما سبق فإن مصطلح القصة القصيرة بات يحمل في أثنائه عدداً من المفاهيم التي قد تختلف من دارس لآخر مما يفرض على الباحث ضرورة تحديد مراده حين يستعمل هذا المصطلح ليكون ذلك أكثر دقة وعلمية([4]).

ويبدو أن وجهات النظر مهما تعدّدت في هذا الجنس الأدبي وتعريفه فإن رابطاً ما يشدّها بقوة وهو انتماؤه إلى السرد- النثر([5])، وإن بات على المرء أن يكون متحفظاً قليلاً لو حاول البحث بعمق في أركان هذا الجنس بخاصة أن ملامح غنائية يمكن أن تظهر فيه وصفات انفعالية أحياناً([6]). يمكن أن نجدها أيضاً، ولعل بحث علاقته في بعض الأجناس الأدبية يسهم في تحديد بعض معالمه، ومثل هذا البحث في علائقه كان الطريق الأرحب الذي حاول من خلاله عدد من النقاد تحديد سماته وخصوصياته.

عن علاقته مع الرواية يمكن القول: إن هذه العلاقة قد شغلت النقاد زمناً، ولجؤوا إلى هذه الموازنة في سعيهم إلى تحديد خصائص القصة القصيرة، وخرجوا بفوارق شتى نصَّت عليها أفكارهم([7])، ويبدو أن مبعث مثل هذه المقارنة شعورهم بأنهما ينتميان إلى النثر، لكن بقليل من الانتباه نجد أن الفوارق هائلة في آلية المعالجة وفي النظر إلى الأشياء، ويبدو أن ذلك شارك فيه مسألة القصر والطول وهي قضية متسعة حاول المهتمون الوقوف عليها([8])، متخذين منها أحد الصوى الرئيسية للتفريق بين هذين النمطين اللذين تجمعهما أشياء عديدة مثلما تفرقهما أشياء أخرى، وليست عوامل التشابه هذه بين القصة والرواية الوحيدة من حيث علاقة القصة بالأجناس الأخرى لأنها أيضاً تتشابه في محاور عديدة مع فن الشعر بخاصة في تطوراتها اللاحقة، وتحاول الإفادة من بعض خصائصه، ويبدو هذا أكثر ما يبدو على صعيد التعامل مع اللغة، واللجوء للمفارقة وأشياء أخرى، إلا أن هذا التشابه أو التعاون لا يعني وجود عنصر آخذ وآخر معطٍ بل إن الشعر أيضاً استفاد من بعض خصائصها([9])ومثل هذا التداخل ليس جديداً وإن كان قد أخذ أمداء أوسع في ظل الرؤى النقدية الحديثة الدعوة إلى (النص المفتوح) وكسر الحواجز بين الأجناس الأدبية، وتبدو الحرارة التي يمكن أن تكتب في ضوئها بعض أنماط القصة القصيرة أكثر قرباً من الشعر بخاصة الاستفادة من تجربة انفعالية متكئة على لحظة زمنية خاصة ووعي حاد في بعض القضايا، وتنطلق مثل هذه الوشائج لتصل إلى أجناس أخرى مثل المقالة من حيث الوظيفة الملقاة على عاتقها ومباشرة غاياتها في بعض النماذج([10])، مثلما تستفيد بعض أنماط المقالة من فن القصة القصيرة.

أما عن علاقة القصة مع الدراما فهي علاقة تدخل في صلب فن القصة القصيرة لأن أحد مكوناتها الإحساس الدرامي الذي يولد إيقاعاً سريعاً تتطلبه([11])هي وإيجازاً وتكثيفاً من أخص خصائصها، وإن علاقتها مع الدراما لا تشكل علاقة طارئة يمكن أن يستفاد منها طوراً وتلغى تارةً، بل العلاقة وجودية وإن اختلفت درجة الاستفادة وانعكاسها على نوعية التوتر المتولد في النص القصصي بحسب النمط الذي يكتبه الكاتب والآليات الأخرى، إلا أن هذه الدراما ضرورة ملحة تكسب فن القصة الكثير من الخصوصية الضرورية لأن لها ثمرات على بناه تخص الإيقاع والتشويق مع الاحترام لأنماط القصة القصيرة التي تتأسس على عناصر أخرى من مثل (القصة اللوحة). ويمكن أن تستفيد القصة القصيرة من أجناس أدبية أخرى وفنون عديدة، وهذا ما بدا جلياً من خلال سيرورتها وفي تجلياتها الأخيرة إذ سعى المجددون والمجربون إلى محاولات استفادة من الفن التشكيلي والسيناريو والمسرح والسينما وسوى ذلك([12]). وقدمت تجارب عديدة كانت واضحة المعالم في سيرورتها وفي جرها إلى آفاق جديدة، ويمكن لها أيضاً أن تستفيد من بعض معطيات الأدب الشعبي وخصوصياته، وهي التي يمكن أن تنقل لنا عدداً من التفصيلات الحميمة التي تجعلها أكثر قرباً منا([13]).

إن مجموع العلائق التي تحدثنا عنها بين فن القصة القصيرة والفنون والأجناس الأخرى لا يعني أنها هجينة([14]) وتتكون من مجموعة عناصر من مختلف الأجناس، بل يعني قابلية هذا الجنس للتعاون مع الأجناس وإمكانية التجديد والتجريب، ويمكن أن يكون بآن واحد ملحمياً وغنائياً مع بعض السمات الرومانسية والواقعية وسوى ذلك([15]).

وهذا يتيح لنا الحديث قليلاً عن تاريخه وبداياته، والعوامل التي أثَّرت في سيرورته، وبما أن الميدان هنا ليس ميدان تفصيل، بل ميدان اختصار نقول: إن معظم المؤرخين ومتابعي هذا الجنس الأدبي قد عدّوا ثلاثة من أعلامه هم الذين تركوا بصماتهم على تبلوره الفني الأولي هم (أدغار آلان بو- وغي دي موباسان- وأنطون تشيخوف([16])). وإنَّ الأثر الذي تركه كل واحد منهم يكمل أثر الآخر وقد شاركوا جميعاً في ترسيخه وتحديد صياغة له وإن كانوا ينتمون إلى ثقافات متعددة لكنهم عاشوا في فترة متقاربة متتالية.

ولا شك أنه مثل أي جنس أدبي آخر ارتهن بمجموعة من الأمور التي تخص دوره، وكيفية انتقاله من أطوار التسلية إلى الوظيفة الواضحة، وإلى تأثره بمجموع الحركات الاجتماعية التي ساهمت في إخصابه وتفعيله([17])، وإن كان مفهومه اليوم يختلف عن مفهوم التشكل في نقاط رئيسية، وهذا طبيعي في سيرورة كل جنس أدبي، يتطور ويتنوع تبعاً للعصر، وكي يبقى محافظاً على حياته لا بد له من مرونة تكسبه المزيد من الغنى والخصب.

ويمكن لنا أن نقف عند وشائجه مع المجتمع والواقع الذي يمتح منه، وهي وشائج إشكالية توقف عندها الدارسون طويلاً، إذ مما لا شك فيه أنه في تجلياته الكتابية المختلفة قد كان استجابة لمعطيات اجتماعية فرضته، وأسهمت في نهضته وهذا طبيعي في تاريخ الفنون الأدبية والإبداعية إذ لا بد لكل فن من ظرف اجتماعي ينهض في كنفه، ويستمد كثيراً من نسغه من أجواء هذا الظرف، وكل تطور بارز في سيرورته لا بد له من تواشج ظرف اجتماعي مع ظرف فكري مع مجموعة من المبدعين الذين يستطيعون فتح كوى جديدة للفن والتعبير عن معطيات الواقع الذي يعيشونه، وقد كانت وشيجة هذا الفن بالواقع محوراً من المحاور التي تُنُوِلَتْ عبر سيرورته، وهذا لم يكن يخصه وحده وإنما طال الرواية أيضاً، ومما لا يختلف عليه اثنان هو دور الواقع في صياغة الفن([18])لكن يختلف هذان الاثنان وغيرهما في آلية الصياغة والانتقال من المحاكاة إلى الانعكاس ومن ثمة إلى المخالفة في ظل معطيات عديدة ذات جوانب فكرية واجتماعية وذاتية تفرزها مجموعة الظروف المحيطة والأحوال المرافقة لتاريخ الفن، إضافة إلى الوظيفة التي يسعى إلى تحقيقها والوعي الذي يريد أن يوصله، فالفن يحاول اختزال كثير من التجارب الواقعية عبر رؤى واعية ويحدد الموقف منها والسبيل إلى تنميتها أو تجاوزها مثلما يكتفي في حالات عديدة بالإشارة إليها ولفت الأنظار، وهذا يفرز بدوره نصوصاً ليست بسوية واحدة، لها علاقة بالموهبة والمدركات والوقائع وفهم دور الفن، لكن لا بد من تأكيد أمرين يخصان علاقة فن القصة القصيرة بالواقع فهو ليس محاكاة وتطابقاً مع هذا الواقع، وهو أيضاً لا يمكن أن يتخلى عن علاقته مع الواقع، هذه العلاقة التي تمدّه بالكثير من الخصوصية، فالفن هو "صيغة متميزة لمعرفة العالم جمالياً"([19]) وللفن أيضاً مرجع يصدر عنه ويحيل إليه لذلك فإن له دلالة يضمرها أو يظهرها([20]).

أما صلاته بالمتلقي وآليات هذه الصلات ووظيفته ومقولاته التي يريد أن يقولها وعلاقته بالفرد أساساً والشفاهية والكتابية فهي قضايا تستحق بعض النقاش فقد تحدّدت كثير من سمات القصة القصيرة ووظائفها في ضوء وشائجها بالمتلقي، الذي حرصت على إبقاء مجموعة من العلائق معه لأن للأدب غايات لا تتحقق إن فقدت هذه الصلات معه، ولئن كان الحرص على هذه العلائق يقود أحياناً بعض القاصين إلى شيء من المباشرة، لكن يمكن أن يحافظ على الفني إلى جانب الإيصال([21]).

إن القصة القصيرة منذ بداياتها كانت تضع في حسبانها مجموعة من المقولات التي تريد إيصالها إلى القارئ، وذلك بعد أن تخلت عن أسسها الترفيهية والبوليسية والوعظية لكن هذه الأهداف لا تعني أنها تخلت عن تلك الأسس، بل يعني أنها يمكن أن توصل ما تريده خلالها، ويلحظ في نصوص عديدة أن الأيديولوجية تزيد على حدّها مما يهدّد جوانبها الفنية، فهي لا تهدف إلى إشباع القارئ بقدر ما تريد أن تحرِّض بعض الجوانب في نفسيته وآليات تفكيره، لقد تغيرت آليات علاقتها مع المتلقي تبعاً لسيرورتها التاريخية إلى أن وصلت في نصوص محدثة إلى التوجه إليه مباشرة وبصراحة وكأنها تعود في ذلك إلى الاستفادة من جذورها الشفوية، وقد تنازعتها عبر تاريخها الرغبتان الشفوية والكتابية([22])، وقد نجح معظم كتابها بإجراء شيء من التوازن بين هاتين الغايتين اللتين باتتا تسهمان في بنائها وتكوينها من حيث الحكاية والتشويق والوسائل الفنية الأخرى، ومع أنه وجدت حالات تجديدية حاولت تخليصها من شفاهيتها وجرّها إلى عالم الكتابة فقط وإلغاء الحكاية والتتابع وسوى ذلك، إلا أن الأيام أثبتت أن هذا الفن مرتبط بكتابيته مثلما هو مرتبط بشفاهيته مع كل محاولات التجديد التي لا تفسد للود قضية!

وقد نجحت القصة القصيرة بما أنها تحاول التعبير عن المغمورين والمأزومين([23]) محاولة التنبيه على الوعي الحاد لاستيحاش الإنسان([24]) فيما صبت إليه وكتبت قصص عديدة عن شخصيات لا يتاح لها التعبير عن نفسها محاولة التركيز على المصير الفردي وهو في خضم الجماعة، وهي في كل تجلياتها ومحاولات التجديد فيها لم تخفف من علاقتها مع المتلقي لإدراك كتابها أن إنهاء العلاقة مع المتلقي سيؤدي إلى وأد الفن، وأنّ أيّ تجديد لا يضع في حسبانه طبيعة الفن وخصوصيته وعلائقه مع المتلقي هو تجديد لا يفيد ولن يسهم في فتح مدارك جديدة أمام الفن.

أما مكوّناتها وتقنياتها وعناصرها التي تنوعت بتنوع سيرورتها ومفهومها والعوامل المؤثرة فيها فهي تدل على أن العناصر المكونة لكل جنس أدبي غير قارّة ولا ثابتة، قد يطالها التطوير وقد يُهمَّش دور بعضها تبعاً لأشياء كثيرة لها علاقة في تكوين كل جنس أدبي من مثل المعطيات الاجتماعية، والوظيفة التي يضعها في حسبانه، إضافة إلى محاولات التجديد التي يقوم بها بعض كتابه([25]).

وعلى الرغم من الكلام السابق إلا أن ثمة مجموعة من العوامل عرفت بها القصة القصيرة في سيرورتها وإن طال بعضها الكثير من الاحتجاج، وقد ولَّد التنوع في الرؤية وفهم الفن ودوره، وكيفية الاستفادة من عناصره، ولَّد كل هذا عدداً من الأنماط القصصية إضافة إلى أنه خلَّف أيضاً عدداً من التيارات الكتابية([26])التي وُجدتْ في سيرورة هذا الفن، على أنه من الضروري تأكيد أن هذه التيارات والأنماط لم تكن متلاحقة بحيث إن من الضروري أن يكون نص اليوم أجود من نص الماضي، بل إن كل فترة من الفترات عرفت هذا النمط أو ذاك.

ولا بدّ للمرء من أن يشير إلى أن ثلة من العناصر قد غلبت على النصوص القصصية، لكن لا نستطيع تعميمها على جميع النصوص وفحصها في ضوء تلك العناصر، لأنّ كل تجربة قصصية تحاول التجديد تخلق عناصرها الخاصة، وإن كانت تتكئ على بعض العناصر المعروفة، لذا فإنه من الأجدى الإشارة إلى العناصر ليس بصفتها عناصر ثابتة في كل قصة، بل بصفة إمكانية ورودها إذ لكل قاص ما يشاء أن يختار من العناصر وفق رؤيته، ووفق ما يستدعيه نصه، وفي كل مرحلة قصصية يوجد بعض القاصين الذين اختاروا طريق التجديد والتجريب، مثلما يحاول قاصون آخرون المحافظة على التقاليد القصصية المعروفة.

وقد بدأت محاولات تحديد مكونات القصة القصيرة مع إدغار آلان بو من خلال تركيزه على وحدات ثلاث([27]

المزيد


مادلين إسبر ودالية الحرف الجميل / بقلم : طلعت سقيرق

أيار 8th, 2007 كتبها الكاتب نشر في , نقد

رغم أنني أكتب القصيدة بثوبيها العمودي والتفعيلة ، فلستُ ممن يبخس الجمال حقـّهُ بأيّ ثوب جاء .. ولستُ ممن يصادر حقَّ  الآخرين في التعبير عن ذواتهم بالشكل الذي يرغبون .. فأن أحبَّ أو أميل إلى شيء ما ، لا يعني أن أكون جلادا لمن يسيرون في طريق مغاير ، يشمل هذا سبل الحياة عامة والفن خاصة .. وإذا كانت قصيدة النثر ، كما القصة القصيرة جدا ، قد شجعت كثيرين على استسهال الكتابة وخوض غمارها دون التسلح بالموهبة وتوقد الروح وعلوّ فتنة الجمال ، فهذا لا يعني أن نصادر المصطلح والتسمية وندّعي عدم وجود هذا أو ذاك .. علينا أن نحاكم النصّ المنجز وليس الجنس أو النوع الأدبي برمته، لأنّ هناك من يكتب ويسكب روحه وورد عمره في نصوص أدبية أيا كان الشكل أو الثوب ، لتكون أدبا رائعا شامخا جميلا عالي العطاء ..

فأين تقف ما دلين إسبر من كلّ ذلك ؟؟..

أستطيع القول ، والنص حكم ناطق عادل ، أنّ الشاعرة مادلين إسبر قد غمست أصابعها العشرة في مياه الشعر المقدسة لتقدم لنا قصيدة مشغولة بعناية وتركيز ، مأخوذة في فصولها وفضائها ووقعها وأنفاسها من موهبة عالية ، مطرزة في امتداد صورها بكل ما هو جميل فتـّان .. ولستُ هنا في وارد الشكل أو الثوب أو الكأس الذي صبـّت فيه القصيدة ، بل غايتي مناقشة الكمّ الشعري في القصائد ، والنظر إلى القدرة على أخذ القارئ أو المتلقي عموما لما يدهش ويفتن ويغني ويفيد ويمتع ويفتح فضاءات لا تحد .. وهذا الكمّ الشعري هو برأيي الذي يعطي الحق في أن أقول هذا شعر أو انه لا يمت إلى الشعر بصلة .. والحكم هنا ينطبق على العمودي والتفعيلة والنثر .. فالجمال جمال .. والشعر شعر .. وكم من قصيدة عمودية سقطت لأنها كانت نظما لا شعرا ..

تقول الشاعرة مادلين إسبر :

أنفاسي مسكونة بالسحر

الحاني منسوجة

         بأوتار الروح

تنهداتي  

       دفوفي  القلبية .. "..

أدّعي أنّ قصيدة النثر تخلتْ عن الوزن وأشعلت فتيل الجمال أكثر وأكثر لتعوض عن غياب الوزن الذي ألفته الأذن العربية وتعودته واستساغته خلال عقود وعقود .. وفي المقطع الذي أوردت للشاعرة مادلين جماليات كثيرة ، ووقع داخلي ، وصور أخاذة ، وصوت يشدك إلى انسيابية ذات فضاء منسوج من إحساس داخلي عميق صادق مسكون بالجمال .. هل عليّ أن أفكر هنا بالوزن وأن ألغي هذا المقطع أو سواه لأن الوزن قد غاب ؟؟!!.. ألا يعتبر هذا – إن كان – في قياس النقد ظلما وتجنيا غير مبررين ؟؟.. الشاعرة تسير بخطوات رشيقة لتشق طريقها بثقة ، فما المانع ؟؟.. ظني أنّ الشعر حالة طاغية محلقة مرتفعة بعيدا عن الشكل كحكم قيمي لكل القصيدة!!.. ولا يظن أنني أعترض على أي شكل ، بل على العكس تماما أنا مع أي شكل على أن يحمل كما عاليا من الشعر وكفى .. لكن هل الميل إلى قصيدة النثر يعني ميلا إلى الجنس أو النوع ككل ؟؟.. وهل ننادي كما نادى أصحاب قصيدة النثر بأنها البديل عن العمودي والتفعيلة ؟؟..

طبعا لا .. من واجبنا أن نكون ضد نفي ن

المزيد


ثقافة المقاومة في الأدب الفلسطيني المعاصر/ أحمد فضل شبلول

نيسان 18th, 2007 كتبها الكاتب نشر في , نقد

تخصَّص الكاتب القاص والروائي السيد نجم في موضوع أدب الحرب، وأدب المقاومة، وأصدر كتبا عدة في هذا الاتجاه الذي اشتهر به، منها: الحرب: الفكرة ـ التجربة ـ الإبداع (1995) والمقاومة والأدب (2001) والمقاومة والحرب في الرواية العربية (2005)..  وأضاف مؤخرا إلى هذه النوعية من الكتب، كتابا مهما أيضا في مجاله هو "المقاومة والقص في الأدب الفلسطيني ـ الانتفاضة نموذجا" الذي صدر عن الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين في 148 صفحة، حيث كتبت أعمال إبداعية عربية كثيرة عن القضية الفلسطينية، وعن الانتفاضة الفلسطينية الأولى ـ انتفاضة الحجارة (1987) والثانية ـ انتفاضة القدس، أو انتفاضة الأقصى (2000) ولكن الجديد عند السيد نجم هو تناوله لأعمال الكتاب والأدباء الفلسطينيين (فقط) الذين كتبوا عن الانتفاضتين، وكيف عبر الأدب الفلسطيني عن الانتفاضة. فنحن نعرف أن الأدب الفلسطيني بعامة أدب مقاوم، ولكن أدب الانتفاضة له خصوصيته التي وضع السيد نجم يده عليها ، فأهدى كتابه "إلى اتحاد الكتاب الفلسطينيين الذي حول مشروع دراسة متواضعة إلى كتاب يطمح في رصد أسماء مبدعة فلسطينية لم تلق الاهتمام الذي تستحقه". أدب اشتهاء الحياة من الطبيعي أن يبدأ المؤلف كتابه بتمهيد يتحدث فيه عن أدب ما قبل الانتفاضة، حيث انشغلت القريحة العربية بموضوع "الهوية"، وأن يعطي تعريفا لأدب المقاومة الذي هو "أدب ترسيخ قواعد الوجود الإنساني، وأدب الأنا الجمعية في سعيها إلى الحرية لتقوية ذاتها في مواجهة الآخر العدواني". ويؤكد الكاتب على أن أدب التجربة الحربية الحقيقي (الجيد) هو أدب إنساني، وأن خصوصية أدب الحرب ترجع إلى أنه أدب التعبير عن الأضداد: الموت مقابل الحياة، رهافة المشاعر مقابل شراسة وفظاظة المقاتلة، بل إنه أدب اشتهاء الحياة. بعد ذلك ينتقل الكاتب لتقسيم الأدب الفلسطيني إلى مراحل: المرحلة الأولى تبدأ مع بدايات القرن العشرين وحتى عام النكبة 1948، أما المرحلة الثانية فتبدأ من 1948 حتى 1967، والمرحلة الثالثة تبدأ من 1967 وحتى بداية الانتفاضة الأولى 1987، بينما المرحلة الرابعة فهي تلك الفترة التي عبرت عن انتفاضة الحجارة وانتفاضة القدس. مذكرات دجاجة، ورجال في الشمس وعلى الرغم من وجود أعمال أدبية كثيرة في مجال السرد، ظهرت مبكرا، إلا أن الكاتب يشير إلى أن رواية "مذكرات دجاجة" لأسحق موسى الحسيني المنشورة عام 1943 تعد أول رواية ذات تقنية تتجاوز ما سبقها في كل إنتاج الرواية الفلسطينية. أما رواية "رجال في الشمس" لغسان كنفاني المنشورة ـ في طبعتها الأولى ـ عام 1963 فبها يؤرخ لميلاد الرواية الفنية الفلسطينية، وهي تعد من أهم روايات المقاومة عموما، والمقاومة الفلسطينية خصوصا، على الرغم من بساطة التناول والحكي والمعالجة. بعد ذلك يتناول المؤلف إرهاصات المقاومة الفلسطينية بعد النكبة، ويشير إلى بعض الأعمال الأدبية، غير أنه في رواية السبعينيات يتوقف عند "الوطن في العينين" للروائية حميدة نعنع، و"إلى الجحيم أيها الليلك" للشاعر سميح القاسم. ويخلص إلى أنه إذا كان الإبداع الفلسطيني في الستينيات يكشف "البحث عن طريق ما للخلاص" فإن الروايات التي نشرت في السبعينيات تكشف "العثور على الذات الفاعلة والمقاومة". وأنه ليس من الإفاضة القول بغلبة الشعارات في عقد الستينيات، وهو العقد الذي شهد نكسة يونيو/حزيران، بينما عقد السبعينيات عقد الفعل والتفاعل وشهد انتصارات أكتوبر/تشرين الأول. ومن انتصارات أكتوبر، إلى حديث الانتفاضة التي هددت نظرية الأمن الإسرائيلي، تلك النظرية التي تعتمد على استخدام العنف بأقسى صوره، وحرمان الطرف الفلسطيني من السلاح، ومع ذلك لم تنجح النظرية، ولن (تنجح). وهو ما يمكن أن يعتبر من أهم منجزات الانتفاضة. في مجال الرواية
المزيد