دستور من خاطركم
كيفما سار يرى وجوههم.. إنهم يلاحقونه في كل مكان.. وعند النوم يبرزون له فيفسدون عليه أحلامه.. تذكر أنه كان قد وقع مرة عند عتبة الدار، ولا ريب أن "أهل الأرض" هم الذين يلاحقونه.. وعند العتبة، سكب بعض الماء البارد، ثم قال: دستور من خاطركم، فأطلت تلك الوجوه من جديد.
* * *
السندان
راح القدوم يدق الرؤوس من حوله بلا رحمة فيهرسها.. أطلت من بين الرؤوس رأس كبيرة.. فصار القدوم سنداناً.
* * *
الكوز والجرة
تفننوا في تعذيبه، ولبث في السجن سنين.. أخلوا سبيله لعدم ثبوت الأدلة.. ودق الكوز بالجرة.. أعادوه مرة ثانية، حيث وردتهم معلومات تفيد أنه ربما كان قريباً من سد مأرب، قبل دقائق من انهيار السد.
* * *
أبو دعيبس
جمعت بينهما الظروف.. أبو إبراهيم كان يكره الأرض التي يدعسها أبو دعيبس، فلقد أذاقه مر العذاب.. طقت مرارته، لقي وجه ربه.. تلقته ملائكة الرحمن على باب الجنة بالترحاب.. لكن الحزن لم يفارق أبا إبراهيم، سيق أبو دعيبس إلى جهنم.. عندئذ أدرك أبو إبراهيم أنه يجلس على أريكة في الجنة.
* * *
القطن والعلّيق
ديار القبيلة منيعة الجانب محمية.. إحدى عشائر القبيلة فقدت حقها في الديار.. تشتت أهلها في الجهات الأربع.. حق العشيرة صار قطناً ناعماً.. طيرته الرياح، فعلقت ذراته في الأشواك وفي كل نبات العليق..
* * *
كساد
فاض صاع القبيلة بالكلام.. الكلام الفائض علبوه.. تكومت علب الكلام في مستودعات القبيلة.. أعلنوا عن نيتهم بتصديرها.. لكنهم لم يبرموا عقداً واحداً.. وصار كلام القبيلة كاسداً.
* * *
الظهر
ضربوه على بطنه فقال: آه يا ظهري.. لم يستجب له أحد.. وبعد حين أدرك أن ظهره قد انكسر.
* * *
المسبحة
جمعتهم مودة عارمة.. كل يخاف على الآخر من نسمة إذا مرقت.. يداريه كما لو كان عيناً بها رمد.
فجأة؛ انقطع الخيط، فتطايرت حبات المسبحة في كل اتجاه.
* * *
الخازوق
الخازوق يتقدم سريعاً.. صرخات الألم تزداد حدة، وقهقهات من مكان قريب تنفجر.. تختلط الصرخات بالقهقهات.. الخازوق لا يتوقف.
توقفت الصرخات، وتوقفت معها آخر أنفاسه..
واستمرت القهقهات تشفياً بموت من نشر بينهم صناعة الخوازيق.
* * *
الجدار
الجدار شاهق.. عصي على الارتقاء.. صمد الدهر أمام الغزاة.. مضت السنون.. الجدار شاهق لم يعد شاهقاً.. انحنى ظهره وكاد يلامس الأرض، فقفزت من فوقه الكلاب.
* * *
عبوس
يقطب جبينه.. لا يفارق العبوس خلقته الناشفة.. لا يضحك حتى للرغيف الساخن. أخيراً شاهد البعض بسمة تومض على شفتيه.. فصار الخبز رخيصاً.
* * *
نباح
ربا الجرو الصغير في أحضانها.. علمته القطط كيف يموء.. ومرت من أمام الدار مجموعة من الكلاب.. لحق بها الجرو، فملأ نباحه الساحة.
* * *
المسلة
تحدثوا في حضرته عن الخصال المشينة.. تململ واعتراه انفعال شديد.. وكانت في جنبه مسلة، فانغرست في خاصرته.
* * *
الديك
يصيح الديك ويطلع الفجر.. ظن البعض أن الفجر لا يطلع إلا بصياحه. مات الديك.. لكن الفجر ظل يبزغ كل يوم.
* * *
المخرز
يجول المخرز ويصول.. كثيرون وقفوا في وجهه.. الحرب سجال.. كثر الضحايا والسبايا.. وشوهد الكف يلاطم المخرز ويدميه.
* * *
الحيّة
جلس الجميع فوق كومة التبن.. اطمأنت نفوسهم.. أحسوا لين العيش وطراوته.. ومن كومة التبن انطلقت حية ملساء.
* * *
رمضان كريم
لا يعرف الصوم في رمضان منذ ولدته أمه. حل شهر الصيام هذا العام.. أعلن أنه صائم، فأفطروا جميعاً.
* * *
القط
حضرت جموع الفئران.. كل يرتدي أجمل ما عنده.. جاؤوا يودعونه؛ فهو ذاهب لأداء فريضة الحج.. عاد من الحج.. تحلقوا حوله يهنئونه، فصار القط سميناً.
* * *
طعام للكلاب
استخدموه أعواماً طوالاً.. حملوا عليه أثقالهم.. نقلوا فوق ظهره الحجارة والصخور.. امتطوا ظهره في ترحالهم.
كبر الحمار.. نحل جسمه.. صار جلداً على عظم.. تثاقلت مشيته، فصار طعاماً للكلاب.
* * *
القيود
نصف قرن من الزمان، والقيود والسلاسل تطوق السواعد.. الصدأ يعلو سلاسل الفولاذ.. القيود تهترئ.. خالط الحديد لحم الجسد.. أفرزت الدماء مادة صهرت الفولاذ، فتكسرت القيود.
* * *
النبيذ
يكد ويتعب طوال اليوم.. وينام أطفاله على لحم بطونهم.. يستيقظون.. لقمتهم مغمّسة بالدم.. يصير عرقهم خمرة للآخرين، ودماؤهم نبيذاً من النوع الرخيص.













