من المجموعة القصصية .. قصص خارج السياق.. للروائي الجزائري.. سعيد شمشم

أيلول 24th, 2007 كتبها الكاتب نشر في , قصة

لعل الإسم الذي سأضعه أمامك، قد يثير في نفسك بعض الفضول، لكن ترقبك قد ينقلب إلى خيبة أمل، تماما مثلما حدث معي، منذ أن سمعته يتداول على ألسنة الصيادين، ورواد البحر، عندما لا تجد تعليلا مقنعا لذلك، والذنب قد يحمل للتاريخ الذي أهمله، والباحثين والمؤرخين الذين لم يبذلوا الجهد للكشف عن سره، وفضلوا النط عليه، مع كل ما يحمله من دلالة، وإثارة، وإذا أمعنت النظر وأنت تشاهده، ورجعت بمخيلتك إلى الحقبة الزمنية التي كانت المنطقة غير مأهولة، ولا منفذا بريا لها، كسائر منطقتنا كلها، سترجع وباقتناع كبير، وملح، أنه لا يمكن إلا أن يكون مأوى إحتياطيا للقراصنة المحليين، وغير المحليين، عبر قرون عديدة. ذلك هو ميناء "ماريا" الذي إكتسب صفة المرسى الطبيعي الصغير، ومنذ أن تشكلت جبال الأطلس، ونحتته الأمواج، وحددت معالمه، وقد تصيبك بعض الدهشة، وأنت تراه لأول وهلة من عرض البحر، أنه ما وجد إلا لاستقبال المراكب الصغيرة. يقع هذا الخليج الضيق، غرب شاطئ العوانة، وقد عرف بوفرة أسماكه المتنوعة وهيجانها، خاصة بعد موسم تكاثرها في الربيع، وهي محلية، دائمة الإقامة، ليست بالمتنقلة أو المهاجرة، كان هواة الصيد على الشاطئ يرتادونه قبل أن تعم الفوضى البلاد، في نهاية القرن الماضي، وقد بدأت تلوح فيه بعض الحياة في الفترة الأخيرة، أما الزوارق الصغيرة، فلا تأمه كثيرا لبعده، ومن مميزاته قاعه الصخري الذي يمتد شمالا إلى ثلاثة أميال بحرية أو يزيد، أما بموازاة الشاطئ فقد يربو عن العشرين ميلا، مع تباين أشكال الصخور، و نوعيتها وتضاريسها، وتفاوت العمق بينها، والأصناف المختلفة لكائناتها الحية، وسخاؤه الذي يزداد مع إنتهاء الربيع. بعد حصولنا على معلومات الطقس لليوم الموالي، التي أكدت هدوء البحر، وجماله والريح الشمالية الشرقية الضعيفة جدا، وصفاء الجو، والراية الخضراء للسابحين، هذه الأرصاد الجوية، خاصة البحرية منها، ما كنا نطمئن إليها إلا قليلا، فهي كثيرا ما خذلتنا وأغلب الظن أنها كانت توجه خاصة، لمراكب الصيد الكبيرة، والبواخر، وحتى لا نضع اللوم، والعتب على أحد، كنا نعتمد على تجربتنا، وممارستنا الطويلة، وهما المسبار الذي كنا نقيس به الأمور، فطريقة صيدنا تقوم على المجازفة وركوب الرأس كما يقال، قبل ركوب الزورق، وكان الموعد مع رفيقي بعد صلاة الصبح من اليوم الموالي. إنطلقنا بالسيارة قبل شروق الشمس، حاملين معنا كل لوازم الصيد والإبحار، حتى المحرك الصغير ذو الأحصنة الستة إلى شاطئ الصخر الأسود، فشاطئ برج البليدة تحول إلى منطقة محرمة حل بها الجيش الوطني الشعبي، وأصبحت منطقة عسكرية، وهكذا أرغمنا على تغيير مكان رسونا، وعلينا أن نبحر غربا، بموازاة الشاطئ على مسافة كيلومتر أو نحوه، أما مدة سيرنا طولا، فقد تتجاوز الساعة. أخيرا دفعنا بالزورق إلى الماء، كانت الشمس لا تزال متوارية هناك، لكنها بدأت تعلن عن وجودها باحمرار الأفق في البعيد، مما أضفى على صفحة الماء، لونا أرجوانيا باهرا، وظلالا هادئة خلابة، قلما يحظى بها إنسان على اليابسة، وقد يتطلب الوضع إلى مفتاح ليحل به طلاسيم ذلك السحر، وتلك الروعة والجمال، مفتاح قد لا يحوز عليه، إلا شاعر متمرس، أسقمته العاطفة، وأضناه الحب، وأنهكته مخيلته، وهيامه بالطبيعة، وجاس كثيرا خلال الديار، أما إذا كان مرهف الحس، واقعيي التفكير والتأمل، نافذ البصيرة، متزن الشعور، فسيشارك، بكل جوارحه ووعيه، حاملا معه دعوة لمرافقة وحضور مراسيم هذا العرس الفريد. إنطلقنا على صفحة الماء الساجي البالغ الصفاء، الذي كانت الألوان تتغير على سطحه بسرعة مذهلة، وفي ريح طيبة، ونسمات مبللة، تبعث فيك الإنتشاء، وتزيدك إنتعاشا، ومع كل ما تحملاه من رطوبة وملوحة، فإنها تفتح منافذ صدرك، التي سدها الغبار وهباب عوادم السيارات، وشتى أنواع الدخان. خلال سيرنا، تجاوزنا جزيرة العوانة التي لازالت بعض نوارسها نائمة، جراء تخمتها بالأمس، أما البعض منها، فكان يحوم حولنا آملا أن يحظى، ويفوز ببعض رؤوس السردين التي كنا نستغني عنها، وهي عادة ألفها، وبين الفينة والفينة، تبرز فجأة سنونوة الماء المطاردة، لتصطدم بالزورق حينا، أو تطير لبضع عشرات الأمتار، ثم تسقط في الماء حينا آخر، وعلى بعد مئات الأمتار منا، لاحت زعانف كلاب البحر الشرسة، وحذبات بنية اللون، يخيل للناظر، أنها صخور تلوح وتختفي، ولكنها في الحقيقة هي حوت العنبر الهائل الحجم، يطفو مرة، ويغوص أخرى، يصول ويجول، بين تجمع أعداد كبيرة من السمك الأزرق الجوال "أو سمك السطح"، كانت الحياة اللامرئية حولنا، صاخبة وزاخرة بالحيوية والنشاط. ما كدنا نجتاز الرأس الذي يحمل إسم المنطقة، حتى أنجلا أمامنا الشاطئ الصخري الممتد على مرمى البصر، وأصبحنا جزءا من هذا العرس النادر الذي أفرزته الطبيعة، بكل عاطفتها الجياشة، المتمثل بهذا الحب الهادئ في مظهره، السادي في جوهره، الشبقي في ممارسته، هذا الإمتزاج بين الماء الأزرق الرائق اللامتناهي المشع تحت أشعة الشمس الصفراء الصباحية، والطبيعة الجبلية الممعنة في الخضرة، في شريط متصل، ممتد إلى مسافات لا يحدها البصر، كقرينها الأول، يحضنهما سماء فيروزي لا تشوبه شائبة، إنها طبيعة بحق لا تزال عذراء، لكن أيادي البعض، في الفترة الوجيزة الأخيرة، أخذت تتسل وتجس ما تحت ثيابها، مدنسة عذريتها، بأنانية سوداء وسوء نية لاغتصابها. كنا عن قرب يسمح لنا برؤية الشاطئ الذي كان حده الصخور والغابة معا، وقد لاح في بعض أجزائه، وكأن الماء يتسلل ويمتد تحت سفح الجبل القائم في أنفاق غائرة، لم يكلف أحد نفسه عناء إكتشافها، تحجبها بعض الضلال الداكنة لانحسار ضوء الشمس عنها، وانسدال النبتات المتعرشة فوقها، مما يبعث القشعريرة في جسدك، والرهبة في نفسك من هيبة المكان، والجلال الذي يغمره، والعظمة التي تجلت فيه، وجماله المتوحش، وإنعزاله، إضافة إلى الأشجار المتشابكة والنباتات الكثيفة النادرة، الدائمة الإخضرار، مما جعلها بيئة مناسبة، وآمنة، لصنف نادر من القردة، يسرت لها البقاء، وإذا كنت على بعض الإطلاع، فستخال نفسك، أمام منظر من مناظر ضفاف نهر الأمازون غير المطروقة. بعد حوار قصير، وتبادل الرأي مع رفيقي، إتفقنا أن نكون فوق عمق لا يتجاوز الخمسين مترا، وكذلك فعلنا. أوقفت المحرك، ورمينا بالمرساة إلى الماء، وفي إنتظار تشبثها بالقاع، وثبات الزورق في مكانه، بقينا عدة دقائق، نتأمل في إنبهار، ما أحاط بنا من سحر الطبيعة، فالمشهد من الروعة قد يشق عل الرسام القدير تقديم لوحة مطابقة له، لتداخل المناظر وصعوبة الفصل بينها، ومثل هذه الفرص لا تتاح دائما، خاصة إذا كنت ممن يهيمون بالجمال الهادئ الصامت، ويفقهون شيئا من إيحاءاته. كان الطعم الذي حملناه معنا، ما زال يحتفظ بجودته، ويتألف من سردين، لم يفقد بعد فسفوره اللامع، ومتماسكا، وجراد البحر المفضل لدى الكثير من السمك. أدلينا بصنارتينا في آن واحد، وما كادتا تصلان القاع، وقبل أن تستقرا عليه تماما، حتى إهتز السبيب بين أصابعنا، وكأنه تيار كهربائي خفيف، أما صنارتي فقد علق بها فرخين من فراخ البحر، وهو نوع من السمك الصغير، نصفه بالمهرج، فهو خفيف الحركة سريعها، ولا يرتاد الأماكن المكشوفة، وعلامة للصيادين على وجودهم في الأماكن الصخرية، أما رفيقي فقد كان بأحد شصوصه سمكة "الكاردينال" وهي سمكة أصغر من كف اليد، طرية هشة، شفافة إلى حد ما، بالغة الجمال تتجلى عليها كل ألوان الطيف، يغلب عليها لون بنفسجي يميل إلى الحمرة، تطاردها الأسماك أينما حلت، لا ترتاد إلا المياه النظيفة، والصخور المرجانية، ومن تلك البيئة إكتسبت زخرفها. واستبشرنا خيرا بالبداية، وقد وقعنا على الموقع الذي كنا نأمله، ولم يمض سوى زمن يسير حتى أدركنا أننا في سباق كبير مع الساعة، وأننا فوق حي بحري زاخر بقاطنيه، بأجناسه، وفصائله، وطبقاته، وأشكاله، وأحجامه، وألوانه، ونمط معيشته، وتباين تصرفاته، وحتى طريقة أكله والمستفيد في ذلك المجتمع المتنوع، هو صاحب القوة والجبروت، والسطوة، يليه الخب المحتال، قد يتقاطع إلى حد ما، في بعض مظاهره، مع سوق شعبية بمدينة كبيرة خلال ساعات إزدهارها، وأن هذا الحي سيخلد إلى السكينة والهدوء، عند الضحى، عندما يصبح الكون أكثر ضياء ودفئا. وستتوقف الحركة، وتخمد الحيوية، تماما مثلما بدأت، وكأنه عرس حدد زمانه ومكانه، وعلينا أن نستغل ما أتيح لنا من وقت، فمثل هذا اليوم لا يتكرر كثيرا، وربما قد لا يعود إلى أمد طويل، والبحر بطبعه لا يعد بشيء، ومهما طالت معاشرتك له، فإنه لا يتردد بمباغتك بالجديد، ومن حيث لا تحتسب. ما كادت الساعة تشرف على التاسعة، حتى بدأ التهافت على الطعم يتراجع ويقل، وكان الأمر منتظرا، وعلينا أن نظل الساعات الطوال مترقبين عودة بعض تلك الحياة، وقد لا تعود. كنا متحسرين على ذلك التراجع، لكن عزاءنا، أن النهار لا يزال في بدايته، ومفاجآت البحر جمة ولسنا في عجلة من أمرنا، فقد تزودنا بما يكفي لقضاء النهار بطوله. لم نشعر بالخيبة أو الفشل، فالقفة توشك على الإمتلاء، بشتى أصناف السمك الممتاز والنادر في السوق، وقد إحتوت على عدد من سمكة البراي وواحدة من أنثاه، ومزيج من سمك القجاج والقديس بيار وسمكة إبراهيم ذات الشنب التي يصفها الصيادون لجودتها ولذتها بموز البحر وأصناف أخرى. كان موقعي في الزورق، مواجها للشاطئ وظهري إلى الشمال، منشغلا بما بين يدي، عندما أشار رفيقي إلى ماوراء ظهري قائلا: - أنظر هناك… كانت الجهة الشرقية متوارية عنا، فرأس العوانة، كان عبارة عن حاجز يخفيها خلفه، ويمنع الرياح الشرقية التي بدأت تأتي من بعيد، مما جعلنا لم ننتبه إليها، أو نشعر بقدومها. إلتفت إلى الوراء، فإذا بالزرقة التي كانت تعم السطح، أخذت تعلوها، وتطفو فوقها بعض البقع البيضاء، وأصبح "ينور" حسب لهجتنا، التي هي في الواقع، فقاقيع تكونت، من إنكسار رؤوس التموجات الصغيرة التي بدأت تنشأ وتتكاثر جراء هبوب الرياح القادمة وهذه مقدمتها. قلت لرفيقي الذي لاح عليه بعض الإنزعاج والقلق : - هيا … علينا أن نقلع، والإبتعاد عن هذا المكان، بعد قليل، سيعم الإضطراب كل البحر، إنها رياح شرقية صرفة، ويتحتم علينا مواجهتها، والإبحار في الإتجاه المعاكس لها، إن هذه الرياح التي تهب في مثل هذه الفترة من الصباح، خبيثة وليست مأمونة الجانب، وتختلف عن تلك التي تنشأ عند الظهيرة، وقد يحلو للبعض وصفها بالنسمات البحرية، تنغص السباحة على المصطافين، وتزعج الصيادين، وترهقهم، لكنها ليست ذات خطر، هي ريح خفيفة، تلطف حرارة الجو قبل الأصيل، وتهدأ تماما قبل الغروب، ويهدأ البحر بهدوئها. أما هذه فهي إحدى الإشارات الح
المزيد


بدون عنوان.. قصة بقلم الروائي السعيد شمشم..

أغسطس 6th, 2007 كتبها الكاتب نشر في , قصة

سواء كان القول لي أو لسواي، وكان معناه العام مشترك بين القراء، المستنبطين للمعنى الداركين للفحوى، فثمة كتب حسنة الإخراج، مطنبة في الوصف، بارعة في رصف الحوادث، منمقة اللغة، لكن عندما تنتهي من قراءتها، تأسى على الزمن الذي رافقتها فيه، عندما يتعذر عليك فهمها، فهي لاتقدم لك رأيا أو هدفا، أو تجربة تعتمد في الحياة، لأن الغموض يكتنفها، أو أنها عاجزة عن تقديم فكر واضح لصاحبها، حتى لو أعدت قراءتها مرارا.
وقد تبلغ ما يفوق الخمسين من عمرك، لتكتشف صنفا آخر يتحدث عن منحى من مناحي الحياة، ويحببها إليك، لكن بعد فوات الأوان، لأنك على تمام اليقين، أن ما بقي لك منها قسط يسير، وأنك لم تحيى بعد، وما أصابك منها سوى بعض ريحها الملوث، فأنت ما رأيت من زرقة السماء، ونقائها، واكفهرارها، وعبوسها، إلا من خلال مساحات حددت أبعادها الجدران العالية، فكانت متناهية الصغر، وإلى أصناف الطيور، عدا تلك التي شاءت لها الأقدار أن تكون مثلك في القفص، تتسلى بشدوها وجمالها، أو تلك التي تعودت العيش معك في الحضر، وإلى آلاف الأنواع من الأسماك، المتباينة الأشكال، والأحجام، والألوان، التي لا تنعم بعيشها وحياتها، وحريتها، إلا في غرقها. وكلما غاصت إلى الأعماق، وركنت إلى الفجوات، سلمت وأمنت، وأن الجانب منك الذي مازالت الحياة لم تدب فيه بعد، وأنت في وضعية النزول من قمة الهرم لا يزال عاجزا عن البصر، وستكتشف في ذهول، أن باطن قدميك شديدة النعومة، لأنك ما تعودت السير إلا على البلاط، والإسمنت المملس، والإسفلت المضغوط، ولم تحاول التفكير يوما، أن العالم لا ينتهي عند أفقك القريب منك، خاصة العالم الآخر الذي يمثل ثلاثة أضعاف اليابسة، وفي أعماقه أسفار من المعرفة لا تنفذ.
إن الأفكار البسيطة عن الحياة والكون، التي تتلخص في جمل معدودة، أو لا فكرة عنهما على الإطلاق، تحثانك دائما على العودة إلى الماضي، لأنه الوحيد المتيسر لك، وهو سبب تعاستك التي لا تشعر بها، وهذه التعاسة هي التي تأبى عليك أن تدرك أن البهجة التي تأملها غدا، لا تتحقق إلا ببهجة اليوم. ما جعل الأمل يموت في نفسك، ولا تدرك أن الحياة الحقة في جوهرها كأمواج البحر المتتابعة، قد نراها في مظهرها منفصلة، لكن الحقيقة، أنها لا تنثني لتنكسر، إلا لتظل دائنة لسابقتها في انحسارها، ومن السمك ما يتخلى عن جحره طواعية لأنه أصبح لا يسع جسمه، لسمكة أخرى أقل حجما.
الحدث كان صبيحة يوم من أواخر شهر ماي، خال من الضباب، ومن الرطوبة العالية المعتادة، وهذه الأخيرة قد تكون من العوامل التي تحد من نشوء التيارات المائية القوية، التي قد تعيقنا عن ما نحن بصدده، أما الضباب فإنه الخطر بعينه، فهو قد يسبب الضياع، ويقود حيث لا عودة، فنحن من الهواة، ونفتقد إلى الوسائل الحديثة التي تؤمن السلامة، وسلامتنا تكمن فيما اكتسبناه من خبرة.
كان الفضاء رائقا، وأشعة الشمس موخزة، لكن هبوب النسمات البحرية الغربية الخفيفة، لطفت من لسعاتها، وكان امتزاج الزرقتين معا، والرؤية الجلية الواضحة، التي تيسر تحديد المعالم الثابتة على اليابسة لمعرفة اتجاه السير، والموقع، حفزنا عل القيام بجولة.
في مثل هذا الصباح، الذي يغري هواة الصيد على الإبحار، كان من البديهي أن ننتهز الفرصة، ونستغل ما جادت به الطبيعة، وما علينا إلا تلبية الدعوة، وتحقيق الرغبة. فالبحر إن أخلصت له، ولم تعانده، وعرفت كيف تتحاشى غضبه، ولم تستهن به، وتجنبت سطوته، فسيقدم لك، ما لا يتيسر لحضن آخر من وفاء، وآلاء، وحب، ومتعة، وهو راحة من بعض الأمراض النفسية، منها والجسدية، وهو سفر آخر، ينمي فكرك ويلقنك جانبا آخر من الحياة، ومن هذا العالم الشاسع، لكن شرطا أن تكون بطلا من أبطال فصوله.
لم يكن دافع حماستنا، هي إغراءات الطبيعة وحدها، فقد تصادف أن التقينا أحد الصيادين المغامرين، جعل من الصيد مهنة، وهو يبيع كمية كبيرة من سمك "القجاج" وهو من السمك ال

المزيد


أشواق عابرة.. للقاص الجزائري .. محمود عيشونة

تموز 3rd, 2007 كتبها الكاتب نشر في , قصة

 

وأهيم في شوارع ذكراك وعبر أزقة رحيلك الفاجع الصامت.. كتيار هوائي فوق غدير ساكنة يحدث غيابك زغبا في شرود الروح. ولبرهة آمل أن يكون كل هذا مجرد تشويش لن يطول..؟ أهيم حاملا حزني وشقائي ومظروفاً لشداك..العالم لم يزل يمضي غير آبه لا بشقاء التعساء ولا بسرور موفوري الصيد.وأنا بثلة من ذكرياتي الخوالي ..وبقايا آثار لقبلاتك المطبوعة على آخر بطاقة بريد أرسلتها إلي على عجل، أهيم.. منقبا عن شقٍ أخضر عَبَرَ صحراء القلب ،أحدثته أنوثتك الشهية ذات عمر.. وخبأتُ فيه كل ما كان بيننا من شوق وعشق..فجأة وحاصلا لكل الذي كان، تَعثُُر عَلي نظرتك العميقة تلك وتعْلقُ بالقلب سرمداً.. ومن جديد أستحيل إلى رجل لا يعيش كفايته.. لا ينام ولا يتنفس إلا بمقدار..؟ الوجوه ..كل الوجوه التي أصادفها الآن عبر شوارعي. وأثناء مواعيدي وطقوسي تموت.. آه تموت دونما رغبة أوشدود.. فقط تعبر شجية وبائسة لتغور كالأحاجي في قسوة المر من المعيش..؟ وماذا برأيك يتردد في أصقاعي الآن وقد انزويت شطر غربتك القصية،بعيدا عن حدود الشوق ووخز العتاب اللذيذ..قبل أن يداعب ثغرك الجميل أي إجابة، دعني فقط.. أستردٌك للحظة ..وأسحق البائد من العرف..دعني افتح ذاكرتي لأطلعك على جديد غربتي..وقد فككت أغلال القبيلة، كي أذيب شمع الخفي من أشيائنا الصغيرة..وأضيء للقلب تلك الشكوك بوجود الغلط..دعني أخرج لك أشيائي كما هي عارية كأسماك الأعماق البيضاء..وأصدِقك الإحساس أنه لاشيء في أصقاعي غير كلماتك الندية ، عن الحب وأشواقه العابرة.. وكذا أمكنة ألفتنا وهجَرتْها القبيلة.قسراً وعنفاً واضطهاداً..؟ الآن في غربتك القصية يبعدنا كل هذا المستحيل.. هل تدري أن صدى كلماتك ودغدغة الهمس في أذني، هي أمل الحياة الوحيد في بقاء الوجود..؟ وأن صورتك بهذا الشحوب هي الألذ جمالا والأطيب رائحة والأخف وقعاً..كنت دوما أكره أن نفترق كلما التقينا.لذلك بدت لي زرقة البحر في ذلك المساء شهية .والاسترسال عابق بموسيقى الأصيل ورائحة العناق لم تزل آهة تحول بيننا والفراق..كانت نبرات صوتك وهي تشق القلب وتعثو نشيجا بالروح،حالمة وممتلئة . وكانت ثمة نوارس تنشر أجنحتها للريح وقد حلقت عالياً في البعيد . وكذا أسنان حادة لأحراش بحرية نبتت كالفطر، فهي تبعثر نفسها على امتداد الشاطئ، بنية وسوداء . والموج يصفعها بعنف حينا فيلثمنا الرذاذ. وحينا برفق فنسهى.. و.. وحيدة.. وحيدة.. نقوم.. متلاصقين نمشي.. وببطئ نصنع المشهد الجلاء. لنغادر على نظرة عتاب .. وقد بثها البحر في كلانا.. أنت وأنا..ترى هل كانت نظرته تلك حنينا إلينا، أم هي فقط رعشة المساء فاجأتنا بما بدا لنا حنينا أوماشابه، لكثرة ما اقترفنا من عناق..؟ آه.. لو يقلع القلب عن ذكرياته لاسترحت.. لو يجعل الأحاسيس فقط تصمت.. ولكن كيف وعلى وجه المساءات ، لم تزل رائحتنا تنط. وحكايانا تتحَنط لتَتَرسخ أكثر..والدفئ الأليف الذي اعتاد على جسدينا، تلك النظرات لجسدك الخصب الجبار. جسدك الذي يعلم أنني أعشقه.. آه من زلازل الذاكرة. وإصرار التقاليد ..وتعاطف النظرات والخلط بين الواجب وما يجب..؟ كنت دوما أكره السيناريوهات المفبركة للعشيرة واستماتتهم في الدفاع عن عرض ..هو في الواقع اغتصب من زمن بعيد ..عن أي شرف وأي عرض تتكلم العشيرة.. وأرضها مغتصبة وقلاعها مرتع للغدر والرذيلة..؟ يبدو أنني مازلت أحاول أن أدرك ماذا أريد بالضبط.. ولماذا ترهبني أبهة الأنوثة فيك أنت بالذات ..ولماذا لاأقدر على إطلاق سراحي من ماضي معك رغم عنف الرحيل..؟ لماذا لأستطيع نسيانك.. وأنت التي ببساطة رضخت سريعا لإغراء البريق، في خاتم الخطوبة المقيدة بكثير من العادات البائدة. المرصعة بفلكلور المناسبة التي لا تفتأ تتكرر باستمرار..؟ البرد لا يطاق على شاطئ الذكرى. ولكنني سأجد وسيلة أُدْفئ بها مشاعري على الأقل..فقط المشكلة أنني أواجه الآن ما يشبه اليقين.وانك بالفعل تلهبين جسدي بحضور واثق, اقتربتُ منك وبتلهفٍ خبير قلتُ اقتربي.. البرد قارس..لا ..لم تنبسي ببنت شفة ولكنني أحسست أنني أمتزج بك.. وأنك لو تكلمت لا انبرى العالم عم يستحقه بالفعل..؟ لا .. يجب أن أدير قلبي عنك الآن وأبحث له عن مكان آخر أكثر طهرا .. مشكلتي أنني عاجز عن أي لقاء مع الآخر, عن أي تبادل للغة. غير قادر حتى على الرغبة في التقارب مع الناس. صرت أخشى خيانة الكل. لماذا لغة العصر صارت نفاقا وأكثر زيفا من أن تصدق مع أحد..؟ اللعنة .. مرة سألتك كيف تحدثين لي كل هذا الإدمان ، وأنت بعد حديث الشفاه..كيف أصحو من ليلك لو أنت قررت الشرك بحبي..وفي يوم آخر، كانت لي جلسة تأمل مع صورة لك ،مسروقة من لحظة مرح، كنت تبدين فيها رائعة وعلى سجيتك تبتسمين في براءة غير متأنية ولا مصطنعة، قلتُ أحزان جيجل أشد وأقسى على القلب من غربة المنفى..وللتو بدأت أشعر بالخوف الذي يحسه المرء وهو على مشارف ، أن يهلك دونما من أحب.. وبتأمل مريع لما يمكن أن تحدثه حركة غير مدروسة منك، اكتشفت أنه بالفعل.. أسوأ ما في المرأة أننا دائما بحاجة إليها.. وفي جيجل كما في غيرها ، عليك أن تكون واثقا من ثرائك وزيفك وسلطانك ،حتى يتسنى لاامرأة أن تخلص لك ولو إلى حين.؟ أوه.. هذا النفق من البرد والوحدة متى ينتهي..متى تصطف الأيام الحالمة وتدعوني من جديد إلى عشق الحياة..وقد ملأت برحيلك كل وجودي بالبؤس. والرغبة في تقيئ ما تبقى من أمل وتصنيفه ضمن مهملات الأيام..أنت امرأة مديدة الشوق عنيفة حين ترغبين في البكاء..مرة سألتك إن كان بإمكاني تركك والبحث عن ممكن لأتعابي وسوء طالعي . رفضت بحجة أننا أكثر إلهاما و أننا أكثر عزما ،من أن تفرقنا مأساة الفقر الذي بليتُ به.. وهوة اللامكان التي أحدثتها أروستوقراطية تفكيرك الجديد.. لا.. هذا غير ممكن.. هكذا بكل ما حوت الكلمة من رفض وصدق، اعترضت على مقترحك بأن أتحول إلى رجل فقط يسقي جسدك ويرعاه..؟ ثمة أمور وأشياء صغيرة يحتاجها الإنسان كي يستمر في الحب. ثمة كوامن يجب أن تُحرك حتى تجعلنا اللغة، نتقن فعل المجازفة ونتواصل في وئام.. بدون اللغة لا يمكننا أن نعرف في أي زمن نحن نقيم ..ولا في أي الجهات من الجسد يمكننا أن نأخذ نفسا لباقي الرحلة.أذن أزِفت ساعة الفراق وأنا امرأة انفعالية وعنيفة الطموح..غدا عند المساء لا يمكنك العثور على رائحتي ، بصدق ظننتك تمزحين ولكنها كانت نهاية علاقة،بطقوس تشبه العبادة..؟ على كثير من الحنين والرغبة افترقنا . وكانت كل الكلمات التي تفوهنا بها فيما بعد، مع الذات والأصدقاء. امتدادا لخسارتنا ممزوجة بذبذبات ولدَت لدينا شعور عنيف بالندم والنفور.. كان الوقت يمر بطيئا رتيبا. وكنت تكبرين داخل حجم خاتمك السجن، مرت سبع سنوات وأنا بعد ملفوفا بسحابة كآبتي ووحشة مدينة لا تمنحك الأنس ..مدينة اسمها جيجل ..طوال تلك السنين لم اقل شيئا يستحق الذكر، خشية أن يساء فهمي ..وأنا الذي عجبت جيجل من إقامتي فيها دون تأشيرة حب..؟ ولا ثراء يمكنه أن يشفع لي لدى أعيانها فيقررون منحي رقعة أرض ،أقيم فيها طقوسي وأشيائي الصغيرة.. لماذا أتمنى الآن أن أهجر هذه المدينة بفجائية كما جئتها.. ولماذا لاأقدر إلا أن أحبها.. مرة وأنا أتقاسم معك قلق رغبتك في التخلص، من عناء وحدة سريرك المهيأ لمكان واحد.. أقسمت ِ أنك لن تتركني مهما حصل.. قلتُ ولو فرضت عليك جي
المزيد


لن أكتب قصة……/ يوسف جاد الحق

أيار 27th, 2007 كتبها الكاتب نشر في , قصة

لن أكتب قصة..!
لماذا أكتبها..؟
هل سيفيد من قصتي، في هذه الأيام، أحد في هذا العالم..؟ بل هل سيقرؤها هذا (الأحد)..؟ وحتى لو قرأها هذا ـ قد تحدث المعجزة ـ هل سيجد فيها ما يجدي ويمتع، كما يقتضي أي عمل يمكن أن يندرج تحت عنوان الفن والإبداع..؟
كتبت ركاماً منها حتى ألمَّ بي السأم، بعد أن سلخت من عمري عقوداً عديدة لا عمل لي سواها، منشغلاً بأمرها، مضحياً من أجلها، تماماً كمعشوقة تقضي نصف عمرك كي تنالها، ثم نصفه الآخر كي تنال رضاها عنك أو عليك..! ثم أكتشف بعد ذلك، أنه يحدث لي ما قد يحدث لك على يد تلك المعشوقة إياها، حين تملُّ مناكفاتها ومراوغاتها، وأشياء أخرى لم تعرفها عنها من قبل، فتنصرف عنها إن كانت صديقة، أو تطلقها طلاقاًَ بائناً إن كانت زوجة..!
وحتى لو كانت قصتي ـ التي كنت سأكتبها ـ فريدة التأثير والأثر تضاهي أعمال توماس مان ومارسيل بروست معاً، بحيث يمكنها ـ كموضوع ومضمون ـ إصلاح قاطني هذا الكوكب قاطبة، فمن ذا الذي يضمن لي أن أكثر من عشرة أفراد من بين ملياراته الستة (حتى الآن) سوف يقرؤنها؟ وما هو دور هذه القلة القليلة، أو وزنها في خضم ما يجري على ظهره من أحداث، هي في حدِّ ذاتها قصص مروِّعة، فيها من عناصر القصّ التراجيدي ما يفوق آلاف مؤلفة أمثال قصتي وقصص أصدقائي حسن حميد وطلعت سقيرق ومحمد مباركة..! ثم من ذا الذي سوف يجد ـ من بين هؤلاء ـ من ترف الفراغ لديه وقتاً كافياً، وذهناً صافياً، لمطالعة أقصوصة (تدعى قصيرة) لا تنطوي على أكثر من لقطة كاميرا (بولارايد) كومضة البرق من حياة طويلة وعريضة لفرد ما، أو جماعة ما، من بين هذه الجحافل الهائلة العدد، في وقت تذهب فيه قطعان من الشعوب والأمم للقاء حتفها دونما سبب ودون أن يكترث لها أحد..؟
وأنت ككاتب قصة، لا ريب أنك تدرك تماماً ما أعنيه، بل أجزم أنك تقرّني على ما ذهبت إليه، إذ أنت تعيش الحالة ذاتها. بيد أنك مع ذلك، ولأنك تهوى المناكفة ـ على قاعدة خالف تعرف ـ فلسوف تعمد على الفور إلى اتهامي بالنضوب والإملاق. ومن ثم إقدامي على إيجاد مبرر غير مقنع، لفقر فكري مدقع، ألمًَّ بي على حين غرَّة أو بفعل الزمن. تقول هذا وأنت مطمئن تماماً إلى أنك لن تجد بين الزملاء، رفاق المسيرة المشتركة من يجرؤ على مواجهتك بقوله إنك شامت بي، ليس إلا. بل إن هؤلاء سوف يمالئونك نفاقاً، ويقرُّونك على إدعائك ملقاً ـ رحم الله الجواهري ـ ولا يأخذنَّك العجب عندئذً، إذا هم مضوا معك إلى حد الزعم بأنك (كولومبوس الأدب المعاصر) مكتشف هذه (الحالة) المجهولة، بعبقريتك الفذة التي لا تضاهى، وبغير ما حاجة إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح أو رأسه الطالح..!
أنت إذن، وعلى الرغم من موقفك العبثي هذا، سوف توافقني على ما ذهبت إليه. وأنت لا ريب تذكر حين كتبت أعمالاً قليلة، لا بأس بها ـ أو هكذا قيل لك رغم سقمها ـ وتأنيَّت كثيراً قبل إخراجها إلى النور، كي تسعد جماهير الأمة بها، اتُّهمت بالإقلال والضحالة، أما حين تراكم لديك كمٌّ من الأعمال الناجزة غير قليل، اتُّهمت بالإكثار والثرثرة والتكرار.. والسطحية أيضاً. وما إلى ذلك من أوصاف يحسن إطلاقها رفاقك من الكتاب، حتى لو كانوا أعضاء من الاتحاد ذاته، أو زملاء في الصحيفة نفسها التي تعملون فيه تحت سقف واحد – وليس لك ان تنسى النقاد أيضا-  يحدث لك هذا بعد أن كلَّت يداك في الحالتين آنفتي الذكر، تصحيحاً وتنقيحاً، وبعد أن أرهقت أعصابك وصدعت رأسك في كيف تنقل كلمة من هنا وعبارة من هناك… تؤخر هذه أو تقدم تلك.. تلغي سطراً أو تضيف مقطعاً… حتى الفواصل والنقاط لا تدعها وشأنها، وعلامات الترقيم كافة لا تسلم من شرك.. كما تقول الدهماء.. تفعل هذا كلَّه ظناً منك بأن الناس جميعاً في شتى أقطار المعمورة ينتظمون في صفوف طويلة، ترقباً وانتظاراً للحدث الفريد، مثل كسوف الشمس في نهاية القرن المنصرم، الذي هو ظهور قصتك العتيدة..! أما إذا كنت (موسوساً) مثلي فلسوف تعمد بعد كل ذلك إلى عرضها على عدد من الرفاق، الذين لا ثقة لكي فيهم أصلاً، لك يؤكدوا لك بأنك لم ترفع خبراً لكان، ولم (تنصب) اسماً

المزيد


العتمة…… / قصة : حسن حميد

أيار 27th, 2007 كتبها الكاتب نشر في , قصة

أعترف بأنها عذّبتني كثيراً، وأنها تركتني لأحزاني البعيدة.. ومضت!!
كانت قد جاءت إليّ في ظهيرة يوم أحد لأعطيها بعض الكتب، وتمشي، غير أنها جلست وأطالت جلوسها. كانت صامتة تنظرُ إليّ بتأمل واضح، وتستمع إلى حديثي بانشداه عجيب. تهزُّ رأسها، فيتراجف قلبي، وذؤاباتها تحوّم فوق جبينها كأنها رفُّ عصافير، وتبتسم لأرى حدود شفتيها الرقيقتين، وبياض أسنانها المتشابكة، ما أجملها!!.
[كنت أسمع بها، ولا أعرفها، لكن خيط لهفتي لها امتدّ منذ ذلك المساء العتيق، حين التقيتها في معرض للرسم. رامقتها، وهي تقف قبالتي مباشرة، ونظرت إليَّ، لكأنما كنا على استعداد مشترك لتلبية نداء روح واحدة مقسومة نصفين. كانت نظرتها عميقة وبعيدة مثل غابة لا تخوم لها، ولأنني عجول في كلّ شيء، واريتُ نظري عنها بعدما أشعرتُها بأنها بعثرتني، واقتربت. كان لابدّ لها من الاقتراب، فقد تلاقى بصرنا وهي تدلف من الباب واقفة على خطوتها الأولى. كنت مفتتح رؤيتها في ذلك المساء الذي غصّ بالكثيرين]
حاولتُ، وقبل أن آتي إلى المعرض أن أمنع نفسي عن الحضور، لأنني لا أحبُّ معارض الرسم في ساعات افتتاحها؛ تلك الساعات التي تكون مرهقة ومربكة وبعيدة عن الفن؛ لكن صديقي الوهيبي، صاحب المعرض، ألحَّ عليَّ، قال: أودّ أن أراك قربي، فأنا أحسُّ بأن الثياب الجديدة والأمكنة الجميلة لا تخفي ارتباك السنين الماضية. تعال أرجوك!! فوافقته، وجئت. أحسست بأن تلامع عينيه، وهو يراني داخلاً، أمرٌ يخصني وحدي. كان يريدني أن أراه وقد أحاطت به الوجوه الجميلة، والزهور، والروائح الرائعة، ودنيا الألوان. وما أن سلمتُ عليه حتى بادرني قائلاً:
* "أترى.. من كان يتوقع بأننا
   سنصير شيئاً مهمّاً"!!
[كنت أعرفه بالتفصيل، وكان يعرفني تماماً. كنا طفلين في العاشرة نجوب شوارع دمشق في حالة من التشرد الجديرة بالبكاء الضاج. كنا نبحث عن قطع النحاس والألمنيوم وبقايا العظام وكسر الزجاج.. من أجل بيعها بفرنكات قليلة.
أذكر بأننا تعاركنا ذات صباح على عدة عبوات صغيرة من الألوان. كانت يدي أول من أمسكها. حسبتها عبوات (بويا) من النوع القصير، وقد عملت من قبل ماسحاً للأحذية، وعرفها هو، قال:
* "إنها ألوان للرسم. اتركها لي"!
كانت أصابعي متشبثة بها جيداً، لكن قولته الراجية المدفوعة بنظرته المنكسرة، جعلتني أعطيها له عن طيب خاطر. كنتُ أعرف بأنه يرسم جيداً، فقد كان يرسم لي ولغالبية طلاب صفنا. وكان الأستاذ حمودة يمتدحه كثيراً. يقول عنه شاطر، إذا لم تأخذه الفدائية سيصير رساماً كبيراً وهكذا كان فعلاً.
[ يا الله، مات الأستاذ حمودة، ولم ير الوهيبي في مثل هذا المشهد الباذخ!].
المهم، بعد تلك النظرة الطويلة، اقتربت سوزان! يا إلهي، طولها زينة، مثل حورة كلُّ شيء فيها مضموم إلى الأعلى. اقتربت، فتابعتها بنظراتي السائلة. جعلت من بصري سياجاً يحفُّ بها لتتقدم نحوي بالضبط. اقتربتْ، وواقفتني مواجهة. كنت أعرفها من مقالاتها في الجريدة. كانت مجنونة بالحقائق، والعمل الميداني، وكانت تعرفني من صوري المنشورة هنا وهناك، ومن الأحاديث التي تثار عن كتاباتي. وقبالتي، على خطوتها الأخيرة وقفت. مدّت يدها نحوي، فأخذت كفها في كفي، وهززتها بلطف شديد، ورامشت هي بأهدابها، لكأنها أمطرت في قلبي. ونسيتْ كفها في كفي، كفها الناعمة كمفرش العشب. وهمهمتْ، وهمهمتُ. ولم أفهم من كلامها سوى قولها، سأزورك قريباً. فرحّبتُ بها. لابدّ أن وجهي الفضّاح كشفني، فأدركت اندفاعي نحوها!! وأفلتتْ كفها، ومضت نحو الوهيبي مهنئة، وحين تركته لتتنقل أمام اللوحات، بدت لي هادئة حالمة مثل طيور الحمام!
وعدت إلى البيت فرحاً. كنت ممتلئاً

المزيد


التداعيات الحرفية لما حصل في اللقاء الأخير…./ جهان المشعان

أيار 27th, 2007 كتبها الكاتب نشر في , قصة

قطرات واهنة تطرق الزجاج….
ضوء شاحب ينبعث خجولاً من عمود في آخر الشارع
وكلب جائع أعرج ينبش في فضلات المدينة الناعسة غير عابئ بالريح والمطر
(ترى أيدرك ذلك الكائن معنى الفقد.!؟)
 
*                             *       
يغسل ضياء البرق صفحة وجهها .تحلق في كرة من الضوء شفافة…
ثم لا يلبث أن يحل الظلام والسكون
يفضح نور سيارة عابرة بريق دمعة فالتة…تستدير ليصبح وجهها حقيقة بيضاء ناصعة …وتغسل الموسيقا ما تلجج في القلب من وجع
 (يا مركب الهند يا أبو دقلين يا ليتني كنت ربانك )
*         *    *
تحتضن عيناه تقاسيمها الناعمة …يتمنى لو أن لديه القدرة على تخليدها بأثر …بلوحة … بمعزوفة فائقة العذوبة
ـ تبارك الله رب كل هذا الجمال
تبتسم و هي تدرك بأن الجمال الذي رآه ما هو إلا صدىً لما فاضت به جوارحها.
 ( واكتب على دفتك شطرين سمك حبيبي وعنوانك)
 
*    *    
شطرت تنهيدتها قلبه إلى نصفين …احتضن يديها بحنان…قبلهما بخشوع راهب متبتل …انكمشت على نفسها …ثم أطلقت تنهيدة أخرى:
_أخائفة…!؟
تضاعفت دقات قلبهاهزت رأسها بالنفي أصبحت كلها قلبا نابضًاو كانت تنتفض
أهو البرد..
أم الخوف من المجهول الآتي..
 أم هي الرغبة المجنونة بالتوحد و الانصهار…!؟
 (طال انتظاري و قلبي جريح
يا مركب الشوق ليت الريح….
وقت السحاري …تملا الصواري)
 
 
*   *       
ليل و مطر
رجل و امرأة…
 و طبيعة غاضبة جداً
و كلب يطلق بين الفينة و الأخرى عواءً حزيناً
ـ وماذا بعد…!؟
 جاءه صوتها من قرار سحيق .
*  *  *
_هل كان قراراً صائباً …!؟
_و متى تكون القرارات صائبة
_عندما نملك حرية الاختيار .
_لا أحد منا يملك نفسه .
_أهو حكم بالبراءة أم بالإدانة …!؟
_انه كلاهما معاً.
_لن يغفروا لنا أبدا .
_ربك غفور ذو رحمة .
ندت عنها تنهيدة ما بعد الارتطام ثم غرقت من جديد في الظلام و السكون .
 
*  *       *
( يا بحر موجك علّي عالي
و طيفه حبيبي على بالي
و البعد قاسي …و حبيبي ناسي )
ينفث ما جاش بصدره دخاناً متراقصاً… تشوح بيدها مبعدة ألسنة اللهب .
_كيف استطعت أن تخرج مشاعري عن حيادها …!؟
_ليس حباً ما لم يكن قاب قوسين من الجنون
_كانت حياتي معه ابتسامات معلبة و كلمات متحفظة متعقلة…و كنا نبحث عن السعادة
في الوصفات المجربة الجاهزة .
_معك أتنفس حريتي … أمارس بالفعل أبجدية الفعل …أضحك …أبكي …أصرخ … أهذي….
*  *   *
كانت ملء عينيه طفلةً غريرة تعابث اللهب ... تحترق وتحرقه ويغيبان معاً في أتون اللحظة الراهنة 
وكان مخلّصها الذي استدعته كثيراً في لحظات الخشوع والرجاء

المزيد


سنديانه تستعيد جذورها …/ قصة جمانة طه

أيار 27th, 2007 كتبها الكاتب نشر في , قصة

كلشيء بدا لي مختلفا في هذا الصباح الخريفي. الشمس أشرقت فيه غير مكترثة بحزني، وكنتيالمكسيكية على غير عادتها، دعتني لمرافقتها إلى حديقة عامة للتنزه وتخليص أجسادنامن سآمة البرودة.‏
شروقالشمس ودعوة كنتي، كانتا أول خطوة في سفر خروجي إلى عالم لم أر منه غير البوابةالتي أوصلتني إليه. فأنا منذ ستين يوماً حبيسة المنزل، أحيا وحيدة مع تلفاز أعجميلا أفقه من مسامراته شيئاً.‏
بفرحطفولي تهيأت للنزهة، لبست وتزينت. ومثلي فعلت لورين، لنفسها ولابنها. ثم انطلقت بنابسيارتها، في شوارع أدهشني اتساعها وضخامة العمارات التي تنهض فيها.‏
فيالحديقة، استقبلنا عالم بهر عيوني بنقائه، بنافورات مياهه، بمساحاته العشبيةوالمزهرة، حتى قلت في نفسي: إنها الجنة. عند أحد الأركان، افترشنا العشب، وأخذنانستمتع بالدفء والألوان، وبرؤية الناس العابرين بنا، وغير المبالين بما نفعل.‏
بمحاذاتنا، تسير عربة طفل تدفعها سيدة متقدمة في العمر، رامقتنا وهيتتجاوزنا بنظرات تحمل نوعاً من التفحص. ساورتني نفسي بأنّ الطفل الذي في العربةحفيدها. لحظات وتعود السيدة بالعربة بضع خطوات إلى الوراء، تتوقف قبالتي، تحيينيبلغة عربية وتسألني: من أين أنت؟.‏
سؤالها المفاجئ أوقف كل حركة حولي. أوقف غربتي على شفتيها وعلىالحروف التي نطقت بها. كان يمكن أن أهتف فرحاً، أن أزغرد، لو لم يسبقني قلبي إلىيديَّ، فعانقتها. من أين أنا؟ ستون يوماً مضت، لم أصادف فيها أحداً يبادلني الكلام،أو يسألني ما اسمي؟ ستون يوماً، وسواكن البيت تضيق بي حتى مللت وجهي ووجوه ابنيوحفيدي وكنتي. ستون يوماً، وأنا أعيش تقلبات نفسية متناقضة أوصلتني إلى حدودالاكتئاب وأحياناً إلى الهلوسة.‏
قالتالسيدة: شعور خفي أوحى لي بأنك سورية، وقلمونية أيضاً. فهل أنت كذلك؟ كم أنت ذكية.نعم أنا من يبرود.‏
- الدم يحن، فأنا من النبك.‏
* * *
لحظاتلقائي مع مريم النبكية كانت قصيرة. لكنها كافية لنفيض فيها بما يتعبنا. قالت مريم:أمريكا يا أم عاطف تغري أبناءنا بالمال وبالرفاهية، تعطيهم الاستقرار، وتسلخهم منبيئتهم وأهاليهم. واكثر ما يؤرقني ويحزنني أن أحفادي يكبرون بعيداً عن عيني، بعيداًعن تراب الأرض وتراثها. سيصبحون اميركان يا أم عاطف، فابنتي وزوجها لا يفكرانبالرجوع إلى الوطن.‏
لاغرابة أن تأرقي يا مريم، وأن تحزني. فالحياة بلا جذور لا معنى لها، ولو كانت فيجنات الخلد. انظري إليّ. أليس مضحكاً ومبكياً معاً، أن يعيش جسدي في عزّ لم أحلمبه. وأن تعيش روحي في جفاف لا أحتمله؟!. الأشياء في بيت ابني متشابهة، والأيام فيهمتماثلة. في المساء أنام وفي الصباح أفيق. وضمن ما يمتد بينهما من زمن أقومبواجباتي الشخصية بصمت وآلية.‏
ابنييخشى عليّ من التجول وحدي في مدينة أجهل لغتها واتجاهات شوارعها. قد يكون محقاً فيهذا. لكن، هل من العدل أن تتموت أيامي بين جهلي وغربتي؟!. عاطف مشغول عني بعمليستغرق ساعات يومه، وزوجته أيضاً مشغولة بابنها وعملها. الغربة صامتة يا مريم،وصمتها يشي بصاحبها، يفضح سره ويزيد في وحشته وانعزاله.‏
عاطفابني الوحيد يا أختي مريم، وكان من المفروض أن يعود إلى سوريا بعد أن ينهي تخصصه،لكنه آثر الزواج والحصول على بطاقة إقامة، على العودة. لقد ماطلت كثيراً قبل أناحضر إلى شيكاغو، حتى لا أكون عبئاً على زواجه. وعندما تغلب قلبي على عقلي، طرتإليه السموات السبع، وها أنا أمامك كما ترين.‏
حديثيمع مريم فَجَّر حنيني إلى بلدتي. فكرت بالعودة معها على نفس الطائرة التي ستحملهاإلى الوطن بعد أيام. جُن ج

المزيد


ما زال بيننا……/ قصة : جمال جنيد

أيار 27th, 2007 كتبها الكاتب نشر في , قصة

صباح ضبابي..‏

حين غاب هاني أبو صالح للمرة الأولى عن مدرسة (عقبة جبر) الابتدائية، من الصف الخامس الشعبة (آ)..‏

وقفت المدرسة كلها دقيقة صمت على روحه الطاهرة الصغيرة، وبدا معلموه وكأنهم فقدوا أولادهم جميعاً..‏

ثم دخل الجميع الصفوف..‏

وجدوا صورة هاني أبو صالح على مقعده.. وطاقة من الورد إلى جانب الصورة..‏

بدأ الدرس الأول هذا الصباح، حزيناً، رمادياً، لم يستطع المعلم أن يتحدث عن شيء آخر سوى هاني أبو صالح، الطالب الشهيد..‏

قال والدموع تكاد تطفر من عينيه:‏

-لأول مرة يغيب هاني أبو صالح عن المدرسة..‏

كان شعلة ذكاء وحيوية..‏

هتف الصف بأكمله:‏

-وما زال هاني أبو صالح هنا يا أستاذ1.‏

كان هاني أبو صالح ينظر إلى المعلم من خلال الصورة.‏

بادله المعلم النظرة، ثم قال بصوت واضح:‏

المزيد


اعترافات عائشة………………… / قصة : باسم عبدو

أيار 20th, 2007 كتبها الكاتب نشر في , قصة

       انتظرتُ بزوغ الشمس بفارغ الصبر ، ولم أعطِ فرحتي للقمر . سرقتُ همسات الفجر من أوّل ضوء . تباطأتْ خطواتُه نحوي ، لكنّه فَقَد الأمل ، وهجم عليًّ .

كنتُ في العلّية المزنَّرة بأربع نوافذ ، المطلّة على أربع جهات ، أصرّ ثوب العرس في منديل أحمر ، لكنَّ الخوف ملأ فضاء روحي ، وتصاعد كأنَّه يهرس بحجر فرحتي ! .

أسبحُ في بركة الخوف ، بينما كان صرير باب الغرفة ، يتناثر جمراً . أغلقتُ النوافذ تكوّرتُ فوق سريري .

الآن …!

       وبعد أن مزقتُ حُلماً في ذاكرتي ، كاد أن يتحّول إلى مُصيبة ، ونتفتُ ريش أغنية خرجتْ عصفورة من عشّ ، احتلت فراغاً ضيّقاً فوق جسر حديدي في منتصف السقف ، طويتُ لُهاثي . احتضنتُ آخر وصيّة أضاءتها أُمّي قبل أن أودّعها:

( انتبهي يا عائشة . كوني حذرة من رجل كأبي صبيح ، فكان أبو زيدون الذي عاشره طويلاً ، يصفه بصاحب الكيف ، فهو رجل يحبُ النساء ، والليالي المقمرة ) .

هذه هي المرّة الأولى التي أفتح فيها باب ذاكرتي ، فتخرج الوصيّة تلهث ، وتفتـّش عنّي في ساحات المدينة القديمة ، ورُعب الليلة ما قبل الماضية ، كشف ضوء القمر  وجهه، فتسمّر أمامي . غطته خيوط بصري ، ورسمتْ على جسده لوحة … حرَّكتْ في داخلي أشجاناً . تركتْ بلا خجل مساحات صغيرة ، لقُبلة يتيمة .

أطفأتُ نور الغرفة . نمتُ يغطّيني اضطرابي . أحسستُ أنَّ ذاكرتي تحمل أحزان المدينة . وأنَّ الماء يتفجَّر من بركة ملأى بالهواجس . أغلقتُ الباب ، وأنا أرتجف . خطفتْ فراشة ابتسامة منّي ، وطارت تحمل دموعي .

بقيتُ أنتظر اللقاء معها في الليلة القادمة ، لأنّي سأبوح لها باعترافات خطيرة عن أبي صبيح !.

الاعتراف الأخير ….

أنا عائشة من آل الفضل ، ومن قرية " العدَّالة " تعلمتُ القراءة والكتابة عند شيخ القرية في قُرْنة المسجد الشرقية مع ثلاث بنات وخمسة صبيان . قرأتُ بياناً صادراً عن جماعة أبي صبيح ، تُهاجم فيه الإقطاعي الذي كان يملك نصف أراضي القرية ، فهربتُ وأودعتُ دفتري عند صديقتي .

قرأتُ البيان أمام الفلاحين ، فنهضتْ في داخلي أسوار اللَّهفة ، وأنا أتباطأ في تعداد فقراته ! .

ودّعتُ أُمّي وأختي . وقفتُ قبل انطلاق الحافلة ، بجانب قبر أبي . قرأتُ الفاتحة على روحه الطَّاهرة . عاهدتُ نفسي بالثأر له من أبي زعل ، لأنَّه أفسد حياتنا ، عندما أسرَّ للجنرال الفرنسي عن بلشفيته . ظلَّ الدرك يطاردونه إلى أن استشهد بين قوائم أحصنتهم .

الاعتراف ما قبل الأخير ..

هربتُ من بيت أبي صبيح ، بعد أن تطوَّعت في العمل خادمة بمنزله عاماً كاملاً . وعندما سألني جنرال من جنرالاته ، وأنا في نهاية الزّقاق ، المطلّ على الشارع الرئيسي : لماذا تهربين في هذا الصباح الشتائي البارد ، وأعلم أنَّ لا مأوى لك في هذه المدينة الكبيرة ؟ .

قلتُ : حاول أن يُسْكرني معه ، ويجبرني أن أشرب الخمر ، ويبصقني ، ويتركني ملوَّثة بالعار ، وهو ثمل ، كما فعل مع صديقتي سلمى ! .

الاعتراف الأول …

كانت السعادة تطفو فوق روحي ، وتسبح نبضات قلبي في دمائي . تفور هواجسي في قِدْرٍ من الحُبَّ والبراءة ، في مدينة تزدحم بالطنابر والعجلات والعتَّالة والبيوت والتجَّار ، والأبنية الشاهقة والخانات والأسوار العالية .

وكان الفارس المحمول على أجنحة النَّاس ، يتسلَّق ظلّه رفوف منازلنا ، وصورته تخاطفها الفلاحون ، وعلَّقوها في صدور بيوتهم ، لكنّي أنقذتُ نفسي في لحظة ضعف أصابته ، وخوفاً سمعتُ دبيبه ، وهو يتزاحم في صدره ! .

الشهادة الأولى …

تنقدني زوجه بعد بزوغ شمس صباح كلّ يوم مبلغاً لأشتري الخضار واللحم والبيض، وحاجيات البيت اليومية .

كنت أُقدَّم لها فاتورة ممهورة بخاتم البائع ، وعندما تستلمها ، تبصق في وجهي ، وتتَّهمني بالتزوير والسرقة .

الشهادة الثانية …

تجتمع العائلة حول مائدة الغداء ظهراً ، وفي تمام الساعة الثانية من كلّ يوم … تمنيتُ أن تدغدغني كلمة لطيفة ، وأن يدعوني أحد أفراد العائلة ، لتناول الطعام معهم ! .

لم أنس الدرس الذي لقَّنني إيّاه أبو زيدون . وكان أهمُّ الزوَّادات في حياتي ، من خلال تجربته المريرة معه ، حينما كان يحمله على ظهره ، ويقطّعه النهر ، فيبول على كتفيه ، وينكر فعلته ، ويشرب أفخر وأغلى أنواع المشروبات الروحيّة ، ولا يقول له : تفضَّل يا صديقي ، وخُذْ جرعة لذيذة !

المزيد


-الصفحات الأخيرة ….. / قصة : اسكندر نعمة

أيار 20th, 2007 كتبها الكاتب نشر في , قصة

ما أصعب أن يكون للإنسان ذاكرة لا تنسى، ذاكرة تختزن أدقَّ التفاصيل والذكريات مهما أوغلت في القدم.تظل كامنة في زوايا النفس، حتى إذا هبّت عليها رياح مواتيه، تفجّرت من مكمنها عاتية آمرة…

كنت أخطو نحو عامي الخامس والأربعين حين التقيتُها من جديد.

منذ عقدين من الزمن، إثر تخرّجي في الجامعة بسنة واحدة، قذفت بي الوظيفة إلى مدينة نائية، وتقلّبت بي الحياة على نحو لا أرضاه، ولم أكن أتوقّعه. عندما استوت تصاريفُ الحياة واستقرّت، عادت رياحُها لتحملني عائدة بي إلى مدينتي الطيبّة، مدينتي التي أحببتُها حتى الثمالة.. عدتُ لأتابع فيها عملي في الصّحافة الأدبية، ذلك العمل الذي تأصّل عشقُه في أعصابي وروحي، وأصبح بعضاً منّي. عدتُ وأنا أحمل في داخلي طاقة لا تُحدُّ من الحنين والحب والاشتياق، وذكريات متداخلةً مرّة حلوة. وعلى ملامحي بعض آثارٍ من غزوة الشّيب البطئ، وغضونُ متفرقة في الوجه والجبين…

في مكتب الصديق القديم مدير التحرير. التفّ حولي مجموعة من الكتّاب يضجّون بعبارات الترحيب والاستقبال، أمطرني بعضهم بالقبل الكثيرة. شدّوا على يديَّ، ومن هنا وهناك كانت تتصاعد ضحكاتً مرحة، ونكاتٌ مشبعة بخفة الظل والرشاقة، وأسئلة متداخلة كثيرة كانت تنهال عليّ، أتملصّ من الإجابة على بعضها بإشارة رقيقة أو ضحكة صادقة..

من خلفي سمعتُ صوتاً ينسابُ بهمسٍ مترع بالنداوة والذهول، كأنه أتٍ من خلف شجرة ملأى بالحفيف الرقيق.. "حمداً لله على السلامة.".

التفتُّ نحو مصدر الصوت. تسمّرت في مكاني كجذع شجرة شامخة. ذبلت الضحكة على شفتيّ، شَحُبَ وجهي ولمعت عيناي ببريق عميق. ازدردتُ ريقي ورحتُ أغالب نفسي كي أتمالكها وأخفي اضطرابي. رددتُ على تحيّتها بشفتين مرتجفتين:

-.. أهلاً بكِ.. شكراً

نظرت إليها بعينتين تبحثان عن شيءٍ ضائع. إحساسٌ حادُّ طعنني في الأعماق، حركّ في داخلي مشاعرَ حسبْتُ أنها أصبحت منسيّة منسيّة.. جمدت الكلمات على لساني، جفَّ حلقي، تسارع النبض في داخلي، وعبثاً حاولت إخفاء اضطرابي، لأردَّ عليها من جديد:

-..  شكراً لك أيتها الزميلة.. أهلاً بكِ.

مدّتْ إليَّ كفاً ناعمة صغيرة، تحرّرتُ فجأة من كثير من اضطرابي وذهولي، ابتسمت بعمق وأخذت كفّها في كفّي أهزّها بلين وإحساس بالامتنان. 

شعرتُ بنظراتها تلفّني من قمة رأسي حتى قدّمي، بينما رحتُ أغرس عينيَّ في عينيها.. يبدو أنني أشعرتهُا بالحرج بعض الشيء. سحبتْ كفّها برفق من كفّي الضاغطة، وأطلقت في فضاء الغرفة ابتسامة رقيقة. استدارت برشاقة وهي تهمس ثانية: "حمداً لله على السلامة"

عندما غيبّها الباب، التفتُّ حولي، كان الزملاء قد لملموا ضجيجهم وصخبهم وتسللّوا صامتين دون أن أشعر بهم.

انسحبتُ إلى غرفتي، ألقيتُ بجسدي إلى جوار المكتب، ومن خلال عينين شبه مغمضتين تتالت أمامي صورُ الذكريات.. تفجّرت صاخبة حيناً.

ليّنة دافئة أحياناً كثيرة-

***

عرفتُ مها على المقعد الجامعي في السنة الأولى للدراسة.

كيف عرفتُها؟؟. لستُ أدري!.. كل ما أدريه الآن أنني عرفتُها.. فتاة كالطيف، كالحلم الناعس، كالظلّ الرقيق.. كانت مثيلتي في الجد والاهتمام، تتماهى مع الاستاذ والمادة الدرسّية بعمق واضح، تلاقت نظراتنا مراراً. تلامست أناملنا كثيراً، تبادلنا همساتٍ مغلّفة بالرؤى الحالمة، والآمال المجنّحة..

احتضنتنا مقاعد الدراسة وغرف التدريس سنة إثر سنة.

كان النجاح المتميّز قاسماً مشتركاً بيننا. فرشتْ لنا حدائق الجامعة بساطها المعشوشب، أرصفة المدينة مدّت لنا ذراعيها، زوايا كافتيريا "الغروب" ضمّت بحنان لقاءاتنا اليومية.

غدت مها كلّ شيء في حياتي. سافرت عبر شراييني، زرعت في أعصابي أشتال السعادة والرغبة والاشتهاء، همستْ إلى روحي وعينيّ أسراراً كثيرة..

كبرنا مع سنوات الدراسة. تعاهدنا على الحبِّ والثقة، أكبرتُ فيها إصرارها على المواقف الجريئة، وآراءَها المترعة بالشموخ والأصالة.

 

 

كلُّ ما حولنا كان يشهد على صدقها ونبلها. أسرتني لغتُها المنحازة وأفكارها الجادّة في الحب والحياة والمجتمع. كانت ترددّ على مسامعي: "الحب والحرية وجهان للوحة فنيّة جميلة هي الحياة".

ودّعتنا مقاعد الدراسة. استقبلتنا ردهات العمل والمستقبل. وعلى الرغم من أننّا كنا نعمل في مجال واحد، فقد كانت فرصُ اللقاء متباعدة.

وكان يوم آخر، هبط عليَّ من عالم سفليّ مباغت.. لمحتُها تنزل من سيارة كبيرة أنيقة. السيارة تتهادى ببطء، تقف أمام بناء كبير.. تغادر مها السيارة، مقطّبة عابسة، ورجل يكاد يودّع الكهولة يعود بالسيارة، يمضغ بين فكيّه شيئاً ما.

أوقفتها في مدخل البناية، انتحيتُ بها جانباً، هززت لها يدي مذهولاً، ازدردَتْ ريقها بصعوبة ، همستْ بألم:

-.. إنه هو رجل من شمع ومال وأبنية.

صُعقت وكدتُ انفجر صارخاً. تداركتٍِِ الأمر. قالت:

_.. لا.. إنه قرار الأهل الصارم. الحكم بالإعدام. إنهم كغيرهم يحبّون الشمع والمال والسحنات الرماديّة..

صرختُ بقسوة.. وأنتِ!!

استدارت ببطءٍ تداري عنّي ألماً يتفجّر في العينين، وتركتني ألعقُ خيبةَ سنوات طويلة مترعة بالألوان الصافية.

***

أوقف شريطَ الذكريات المتدفق، صوتُ طرقات خفيفة تقرع باب مكتبي: لم تهملني الطرقات لأعود بنفسي من ذكرياتها العذبة المرّة.

انشقَّ الباب بهدوء ودلفت مها، انتصبت أمامي بقامتها الأنثوية الصارخة..

المزيد


التالي