من المجموعة القصصية .. قصص خارج السياق.. للروائي الجزائري.. سعيد شمشم
كتبهاالكاتب ، في 24 أيلول 2007 الساعة: 15:18 م
لعل الإسم الذي سأضعه أمامك، قد يثير في نفسك بعض الفضول، لكن ترقبك قد ينقلب إلى خيبة أمل، تماما مثلما حدث معي، منذ أن سمعته يتداول على ألسنة الصيادين، ورواد البحر، عندما لا تجد تعليلا مقنعا لذلك، والذنب قد يحمل للتاريخ الذي أهمله، والباحثين والمؤرخين الذين لم يبذلوا الجهد للكشف عن سره، وفضلوا النط عليه، مع كل ما يحمله من دلالة، وإثارة، وإذا أمعنت النظر وأنت تشاهده، ورجعت بمخيلتك إلى الحقبة الزمنية التي كانت المنطقة غير مأهولة، ولا منفذا بريا لها، كسائر منطقتنا كلها، سترجع وباقتناع كبير، وملح، أنه لا يمكن إلا أن يكون مأوى إحتياطيا للقراصنة المحليين، وغير المحليين، عبر قرون عديدة. ذلك هو ميناء "ماريا" الذي إكتسب صفة المرسى الطبيعي الصغير، ومنذ أن تشكلت جبال الأطلس، ونحتته الأمواج، وحددت معالمه، وقد تصيبك بعض الدهشة، وأنت تراه لأول وهلة من عرض البحر، أنه ما وجد إلا لاستقبال المراكب الصغيرة. يقع هذا الخليج الضيق، غرب شاطئ العوانة، وقد عرف بوفرة أسماكه المتنوعة وهيجانها، خاصة بعد موسم تكاثرها في الربيع، وهي محلية، دائمة الإقامة، ليست بالمتنقلة أو المهاجرة، كان هواة الصيد على الشاطئ يرتادونه قبل أن تعم الفوضى البلاد، في نهاية القرن الماضي، وقد بدأت تلوح فيه بعض الحياة في الفترة الأخيرة، أما الزوارق الصغيرة، فلا تأمه كثيرا لبعده، ومن مميزاته قاعه الصخري الذي يمتد شمالا إلى ثلاثة أميال بحرية أو يزيد، أما بموازاة الشاطئ فقد يربو عن العشرين ميلا، مع تباين أشكال الصخور، و نوعيتها وتضاريسها، وتفاوت العمق بينها، والأصناف المختلفة لكائناتها الحية، وسخاؤه الذي يزداد مع إنتهاء الربيع. بعد حصولنا على معلومات الطقس لليوم الموالي، التي أكدت هدوء البحر، وجماله والريح الشمالية الشرقية الضعيفة جدا، وصفاء الجو، والراية الخضراء للسابحين، هذه الأرصاد الجوية، خاصة البحرية منها، ما كنا نطمئن إليها إلا قليلا، فهي كثيرا ما خذلتنا وأغلب الظن أنها كانت توجه خاصة، لمراكب الصيد الكبيرة، والبواخر، وحتى لا نضع اللوم، والعتب على أحد، كنا نعتمد على تجربتنا، وممارستنا الطويلة، وهما المسبار الذي كنا نقيس به الأمور، فطريقة صيدنا تقوم على المجازفة وركوب الرأس كما يقال، قبل ركوب الزورق، وكان الموعد مع رفيقي بعد صلاة الصبح من اليوم الموالي. إنطلقنا بالسيارة قبل شروق الشمس، حاملين معنا كل لوازم الصيد والإبحار، حتى المحرك الصغير ذو الأحصنة الستة إلى شاطئ الصخر الأسود، فشاطئ برج البليدة تحول إلى منطقة محرمة حل بها الجيش الوطني الشعبي، وأصبحت منطقة عسكرية، وهكذا أرغمنا على تغيير مكان رسونا، وعلينا أن نبحر غربا، بموازاة الشاطئ على مسافة كيلومتر أو نحوه، أما مدة سيرنا طولا، فقد تتجاوز الساعة. أخيرا دفعنا بالزورق إلى الماء، كانت الشمس لا تزال متوارية هناك، لكنها بدأت تعلن عن وجودها باحمرار الأفق في البعيد، مما أضفى على صفحة الماء، لونا أرجوانيا باهرا، وظلالا هادئة خلابة، قلما يحظى بها إنسان على اليابسة، وقد يتطلب الوضع إلى مفتاح ليحل به طلاسيم ذلك السحر، وتلك الروعة والجمال، مفتاح قد لا يحوز عليه، إلا شاعر متمرس، أسقمته العاطفة، وأضناه الحب، وأنهكته مخيلته، وهيامه بالطبيعة، وجاس كثيرا خلال الديار، أما إذا كان مرهف الحس، واقعيي التفكير والتأمل، نافذ البصيرة، متزن الشعور، فسيشارك، بكل جوارحه ووعيه، حاملا معه دعوة لمرافقة وحضور مراسيم هذا العرس الفريد. إنطلقنا على صفحة الماء الساجي البالغ الصفاء، الذي كانت الألوان تتغير على سطحه بسرعة مذهلة، وفي ريح طيبة، ونسمات مبللة، تبعث فيك الإنتشاء، وتزيدك إنتعاشا، ومع كل ما تحملاه من رطوبة وملوحة، فإنها تفتح منافذ صدرك، التي سدها الغبار وهباب عوادم السيارات، وشتى أنواع الدخان. خلال سيرنا، تجاوزنا جزيرة العوانة التي لازالت بعض نوارسها نائمة، جراء تخمتها بالأمس، أما البعض منها، فكان يحوم حولنا آملا أن يحظى، ويفوز ببعض رؤوس السردين التي كنا نستغني عنها، وهي عادة ألفها، وبين الفينة والفينة، تبرز فجأة سنونوة الماء المطاردة، لتصطدم بالزورق حينا، أو تطير لبضع عشرات الأمتار، ثم تسقط في الماء حينا آخر، وعلى بعد مئات الأمتار منا، لاحت زعانف كلاب البحر الشرسة، وحذبات بنية اللون، يخيل للناظر، أنها صخور تلوح وتختفي، ولكنها في الحقيقة هي حوت العنبر الهائل الحجم، يطفو مرة، ويغوص أخرى، يصول ويجول، بين تجمع أعداد كبيرة من السمك الأزرق الجوال "أو سمك السطح"، كانت الحياة اللامرئية حولنا، صاخبة وزاخرة بالحيوية والنشاط. ما كدنا نجتاز الرأس الذي يحمل إسم المنطقة، حتى أنجلا أمامنا الشاطئ الصخري الممتد على مرمى البصر، وأصبحنا جزءا من هذا العرس النادر الذي أفرزته الطبيعة، بكل عاطفتها الجياشة، المتمثل بهذا الحب الهادئ في مظهره، السادي في جوهره، الشبقي في ممارسته، هذا الإمتزاج بين الماء الأزرق الرائق اللامتناهي المشع تحت أشعة الشمس الصفراء الصباحية، والطبيعة الجبلية الممعنة في الخضرة، في شريط متصل، ممتد إلى مسافات لا يحدها البصر، كقرينها الأول، يحضنهما سماء فيروزي لا تشوبه شائبة، إنها طبيعة بحق لا تزال عذراء، لكن أيادي البعض، في الفترة الوجيزة الأخيرة، أخذت تتسل وتجس ما تحت ثيابها، مدنسة عذريتها، بأنانية سوداء وسوء نية لاغتصابها. كنا عن قرب يسمح لنا برؤية الشاطئ الذي كان حده الصخور والغابة معا، وقد لاح في بعض أجزائه، وكأن الماء يتسلل ويمتد تحت سفح الجبل القائم في أنفاق غائرة، لم يكلف أحد نفسه عناء إكتشافها، تحجبها بعض الضلال الداكنة لانحسار ضوء الشمس عنها، وانسدال النبتات المتعرشة فوقها، مما يبعث القشعريرة في جسدك، والرهبة في نفسك من هيبة المكان، والجلال الذي يغمره، والعظمة التي تجلت فيه، وجماله المتوحش، وإنعزاله، إضافة إلى الأشجار المتشابكة والنباتات الكثيفة النادرة، الدائمة الإخضرار، مما جعلها بيئة مناسبة، وآمنة، لصنف نادر من القردة، يسرت لها البقاء، وإذا كنت على بعض الإطلاع، فستخال نفسك، أمام منظر من مناظر ضفاف نهر الأمازون غير المطروقة. بعد حوار قصير، وتبادل الرأي مع رفيقي، إتفقنا أن نكون فوق عمق لا يتجاوز الخمسين مترا، وكذلك فعلنا. أوقفت المحرك، ورمينا بالمرساة إلى الماء، وفي إنتظار تشبثها بالقاع، وثبات الزورق في مكانه، بقينا عدة دقائق، نتأمل في إنبهار، ما أحاط بنا من سحر الطبيعة، فالمشهد من الروعة قد يشق عل الرسام القدير تقديم لوحة مطابقة له، لتداخل المناظر وصعوبة الفصل بينها، ومثل هذه الفرص لا تتاح دائما، خاصة إذا كنت ممن يهيمون بالجمال الهادئ الصامت، ويفقهون شيئا من إيحاءاته. كان الطعم الذي حملناه معنا، ما زال يحتفظ بجودته، ويتألف من سردين، لم يفقد بعد فسفوره اللامع، ومتماسكا، وجراد البحر المفضل لدى الكثير من السمك. أدلينا بصنارتينا في آن واحد، وما كادتا تصلان القاع، وقبل أن تستقرا عليه تماما، حتى إهتز السبيب بين أصابعنا، وكأنه تيار كهربائي خفيف، أما صنارتي فقد علق بها فرخين من فراخ البحر، وهو نوع من السمك الصغير، نصفه بالمهرج، فهو خفيف الحركة سريعها، ولا يرتاد الأماكن المكشوفة، وعلامة للصيادين على وجودهم في الأماكن الصخرية، أما رفيقي فقد كان بأحد شصوصه سمكة "الكاردينال" وهي سمكة أصغر من كف اليد، طرية هشة، شفافة إلى حد ما، بالغة الجمال تتجلى عليها كل ألوان الطيف، يغلب عليها لون بنفسجي يميل إلى الحمرة، تطاردها الأسماك أينما حلت، لا ترتاد إلا المياه النظيفة، والصخور المرجانية، ومن تلك البيئة إكتسبت زخرفها. واستبشرنا خيرا بالبداية، وقد وقعنا على الموقع الذي كنا نأمله، ولم يمض سوى زمن يسير حتى أدركنا أننا في سباق كبير مع الساعة، وأننا فوق حي بحري زاخر بقاطنيه، بأجناسه، وفصائله، وطبقاته، وأشكاله، وأحجامه، وألوانه، ونمط معيشته، وتباين تصرفاته، وحتى طريقة أكله والمستفيد في ذلك المجتمع المتنوع، هو صاحب القوة والجبروت، والسطوة، يليه الخب المحتال، قد يتقاطع إلى حد ما، في بعض مظاهره، مع سوق شعبية بمدينة كبيرة خلال ساعات إزدهارها، وأن هذا الحي سيخلد إلى السكينة والهدوء، عند الضحى، عندما يصبح الكون أكثر ضياء ودفئا. وستتوقف الحركة، وتخمد الحيوية، تماما مثلما بدأت، وكأنه عرس حدد زمانه ومكانه، وعلينا أن نستغل ما أتيح لنا من وقت، فمثل هذا اليوم لا يتكرر كثيرا، وربما قد لا يعود إلى أمد طويل، والبحر بطبعه لا يعد بشيء، ومهما طالت معاشرتك له، فإنه لا يتردد بمباغتك بالجديد، ومن حيث لا تحتسب. ما كادت الساعة تشرف على التاسعة، حتى بدأ التهافت على الطعم يتراجع ويقل، وكان الأمر منتظرا، وعلينا أن نظل الساعات الطوال مترقبين عودة بعض تلك الحياة، وقد لا تعود. كنا متحسرين على ذلك التراجع، لكن عزاءنا، أن النهار لا يزال في بدايته، ومفاجآت البحر جمة ولسنا في عجلة من أمرنا، فقد تزودنا بما يكفي لقضاء النهار بطوله. لم نشعر بالخيبة أو الفشل، فالقفة توشك على الإمتلاء، بشتى أصناف السمك الممتاز والنادر في السوق، وقد إحتوت على عدد من سمكة البراي وواحدة من أنثاه، ومزيج من سمك القجاج والقديس بيار وسمكة إبراهيم ذات الشنب التي يصفها الصيادون لجودتها ولذتها بموز البحر وأصناف أخرى. كان موقعي في الزورق، مواجها للشاطئ وظهري إلى الشمال، منشغلا بما بين يدي، عندما أشار رفيقي إلى ماوراء ظهري قائلا: - أنظر هناك… كانت الجهة الشرقية متوارية عنا، فرأس العوانة، كان عبارة عن حاجز يخفيها خلفه، ويمنع الرياح الشرقية التي بدأت تأتي من بعيد، مما جعلنا لم ننتبه إليها، أو نشعر بقدومها. إلتفت إلى الوراء، فإذا بالزرقة التي كانت تعم السطح، أخذت تعلوها، وتطفو فوقها بعض البقع البيضاء، وأصبح "ينور" حسب لهجتنا، التي هي في الواقع، فقاقيع تكونت، من إنكسار رؤوس التموجات الصغيرة التي بدأت تنشأ وتتكاثر جراء هبوب الرياح القادمة وهذه مقدمتها. قلت لرفيقي الذي لاح عليه بعض الإنزعاج والقلق : - هيا … علينا أن نقلع، والإبتعاد عن هذا المكان، بعد قليل، سيعم الإضطراب كل البحر، إنها رياح شرقية صرفة، ويتحتم علينا مواجهتها، والإبحار في الإتجاه المعاكس لها، إن هذه الرياح التي تهب في مثل هذه الفترة من الصباح، خبيثة وليست مأمونة الجانب، وتختلف عن تلك التي تنشأ عند الظهيرة، وقد يحلو للبعض وصفها بالنسمات البحرية، تنغص السباحة على المصطافين، وتزعج الصيادين، وترهقهم، لكنها ليست ذات خطر، هي ريح خفيفة، تلطف حرارة الجو قبل الأصيل، وتهدأ تماما قبل الغروب، ويهدأ البحر بهدوئها. أما هذه فهي إحدى الإشارات الحمراء التي يجب الإنتباه إليها، وعدم الإستخفاف بها، فهي فاعل نشط في إضطراب البحر، نرجو أن لا تشتد، ونحن في بقعة نائية معزولة، وخالية من الزوارق. - هيا … أسرع وضع كل شيء في قاع الزورق، ربحا للوقت، وهو ليس بجانبنا، إسحب المرساة وإن إستعصت عليك، إقطع الحبل، أما الباقي فأنا سأوضبه. بعد دقائق معدودة، كنا في طريق العودة، وأطلقت للمحرك كل طاقته، فنحن في شبه خليج، مازال لم يتأثر بعد، والوضع يتعلق بالوقت، وسيحين بعد آن، وهذه المرة لن يكون ثمة من طائر النورس، ولا سنونوة الماء، أو زعانيف كلاب البحر، ولا السكون الغامر للأجواء، ولن يبق إلا قانون الفوضى البناءة، أو الخلاقة، فوضى لا بد منها ضمن نواميس الكون، وليست مدعاة وأننا بعد لايٍ سننعم بحمام مجاني، ما دفعني لحفظ الأشياء التي قد يفسدها البلل. كنت أقبض على دفة المحرك، وعلي أن احتفظ بهدوئي، ورباطة جأشي، وصفاء ذهني، متيقظا لكل ما سيطرأ من حولي، وأول ما يجب علي فعله، هو الإبتعاد عن الشاطئ، خاصة الرأس الذي لابد من اجتيازه بعد حين، وكنا لا نزال في حمايته، وتوجهت شمالا في خط يميل قليلا نحو الشرق، وأخشى ما كنت أخشاه، ازدياد شدة الرياح، التي قد تجعل من المحرك عديم الجدوى والفائدة، عندها سنصبح تحت رحمتها، ومثل هذه الزوارق والمحركات، لم تصنع لمقاومتها وما علينا إلا أن نسلم أمرنا لمشيئة الله وقدره. ماكدنا نطل على "رأس العوانة" حتى هالنا ما رأينا، وأصابنا الذهول، فاللون الأزرق على وشك الإختفاء، والتحول إلى بياض، حيثما رميت ببصرك، والرؤية الواضحة، أصبحت معتمة في الأفق، والسطح المنبسط الساجي إلى تموجات بدأت تعلو وترفع رؤوسها، فتلهو وتتلاعب بها الرياح، فتتداخل، وتتلاطم، وتدور حول نفسها، وتثني أعلاها، ناثرة ذلك الرذاذ في شكل فقاقيع، كونت ذلك البياض، الذي أصبحنا في وسطه، وتكاد تتحول إلى أمواج، قد نلاقي بعض المشقة في اجتيازها، والسير فوقها يشبه تماما سيارة في طريق ريفي منحدر غير مستو، كثير الحدبات والحفر، مع تعطل المكابح. إن ما كان يقلقني أكثر هو الرياح، وهي "رأس الأفعى" كما يقولون، وكم من بواخر عملاقة، أفقدتها السيطرة على مسارها، وقذفت بها إلى اليابسة، سواء بلطمة منها، أو نفخة، أما إذا كان يعاني من بعض الإضطراب، ولم يكن في هيجان، والريح ساكنة، وكان الموج يعلو وينخفض في وضع المنحني، وكانت لك بعض التجربة معه، فقد تستطيع أن تمخر عبابه، وتفوز بالرهان. قال رفيقي وقد لاح في نظراته، ونبرة صوته بعض الجزع : - أنظر، كلما تقدمنا نحو الشرق، إزداد الوضع سوءا، والبحر اضطرابا، والرياح شدة، هل نتمكن من العودة، بهذا الزورق؟ أجبته وأنا أحاول الحفاظ على رنة صوتي، وفي داخلي لم أكن أحسن منه حالا، ولكن علي أن لا أستسلم، وأن أقاوم : - علينا أن نستمر، وإن عسر علينا الأمر، سنتوقف بجزيرة "العوانة" إننا على مقربة منها، هاهي أمامنا على بعد حوالي ثلاثمائة متر، أن بها شاطئ رملي صغير، يمكننا الرسو به، تمسك جيدا، وحافظ على توازنك، وسيمر كل شيء على خير إن شاء الله، كنا نتكلم بصوت عال شبيه بالصراخ، حتى يعلو على صوت المحرك والبحر. كنا مبللين تماما، وكل الرذاذ المتطاير يقع علينا، لم نحمل معنا الثياب الواقية من الماء، فالفترة هي بداية الصيف، وموسم السباحة قد بدأ لأيام خلت، ولهذا لم نهتم للأمر. بيقظة وحذر شديدين، تمكنا من الإلتفاف حول الرأس، ووجدت صعوبة كبيرة في السيطرة على الزورق، والتحكم فيه، ولكننا تمكنا من الإحتماء بعض الشيء بالجزيرة من الرياح، والماء المتطاير الذي كان يصفع وجهي، ويعيقني عن الرؤية، ويضرب ظهر رفيقي، وقد تيسر لي بعض التحكم في الزورق، ولم أجد كبير عناء في الولوج إلى المساحة الرملية الصغيرة والوحيدة، التي تقع في الجهة الجنوبية منها. سحبنا الزورق خارج الماء بعيدا عن الموج، وأفرغناه مما فيه، خاصة الزاد والماء، اللذين كانا محفوظين جيدا، جففناه من الماء الذي غمر قاعه، ولم يبق لنا إلا البحث عن مكان ظليل ورطب، يحفظ كمية السمك التي فزنا بها، ووجدنا ما كنا نبحث عنه بين الصخور. خلعنا ملابسنا المبللة، وتمددنا على الرمل، بعد أن أشعل أحدنا سجارة، والثاني أخد شمة، وما كدنا نفعل حتى غمرنا هدوءا مخدرا، واطمئنانا نفسيا مريحا، ونسينا تماما ما كنا نعانيه، وما أحاط بنا قبل قليل، والخطر الذي كان يتهددنا، والإختبار العسير الذي خضناه، وفوزنا بالشوط الأول، مع يقيننا أن هذا الفوز في باطنه، لا يعود لشجاعتنا، وقوتنا، وحتى لذكائنا، ولكن لرعاية الله التي كانت ترافقنا، ونحن الذين تعلمنا، أن البحر هو المخلوق الذي يكاد يكون الوحيد، في استطاعته اشعارك أنك كائن ضعيف ومهما امتلكت من خوارق، فأنت لا تساوي شيئا حيال، سطوته، وجبروته. خلصت وأنا في وضعيتي تلك، لابد وأن ثمة علاقة حب وهيام، غامضة، ومبهمة، يصعب تفسيرها، بين الصياد والبحر، وقد نكون كالصديقين اللذين ينشب بينهما خلاف لسوء فهم، أو جفوة حبيبين، للإفراط في الدلال، أو نشوز زوجين، ألفاه، وتعودا عليه رغبة في الإنفراد لبعض الوقت، ليعودا بعدها أكثر ودا، والحالات الثلاثة عابرة، كاختفاء البدر وراء غيمة، أو سحابة صيف لا تلبث أن تزول، دون ضغينة أو حقد أو كراهية، فالعناد والأنانية، هي أصل البلية. كان شاطئ -العوانة- في مواجهتنا، خال من المصطافين، ومن السيارات، عدا ثلاث أو أربعة أشباح، تتحرك على شاطئه الطويل، قدرنا أنهم من السكان القاطنين هناك، فالوضع الأمني لا يزال غير مستقر، والمنطقة جبلية، شبه معزولة، والسياح القليلون الذين يعشقون المغامرة، فضلوا الشواطئ القريبة من المدينة، وهذا ماجعلنا نشعر بالراحة فالمكان الذي نحن فيه أكثر أمنا. كان شاطئ الصخر الأسود، حيث تركنا السيارة في رعاية صاحب أحد الأكشاك من معارفنا يقبع هناك تحت بصرنا، على بعد ميل بحري، من موقعنا، ولكنه كان يلوح وكأنه، على بعد مئات الأميال، وعند اضطراب البحر، تصبح بعد المسافة وقربها سيان، ومجرد سقوطك في الماء، قد يؤدي إلى حتفك، مهما بلغت إجادتك للسباحة. لقد استطعنا أن نقطع الجزء الأكبر من مسافة العودة، ولكننا توقفنا مضطرين عن اجتياز الباقي، لأنها عارية، ومسرحا للرياح، والمجازفة كبيرة، وسط الزبد المتطاير خاصة عند الإقتراب من الشاطئ. كانت السماء صافية، وأشعة الشمس لاسعة، ولولا الرياح التي لطفتها، والجو المشبع بالرطوبة، لعسر أحتمالها، وهذا المكان الذي نحن فيه، كل ذلك أضفى على المكان نوع من الوحشة، والكآبة، قد تبعثان الرهبة في نفوس الذين لم يألفوا هذا الوجه للطبيعة، خاصة والماء يحيط بهم من الجهات الأربعة. أن الصبغة الزرقاء الداكنة المعتمة في الأفق، واللون الأبيض الشامل الذي يظهر فجأة ثم يختفي، ليعود أكثر انتشارا وزخما، واللون الرمادي الذي بدأ يغزو الأجواء المحيطة بنا، وكأنه ينافس ضياء الشمس، هو في الحقيقة ذرات الماء المالح المتطاير في الفضاء. قال رفيقي وهو مغمض العينين : - ألا يبعث هذا على التأمل والتفكير؟ قلت : - وما هذا الذي يبعث على التأمل والتفكير؟ أجاب : - تناقض الطبيعة، كيف كانت قبل ساعة؟ والسرعة التي انقلبت فيها على نفسها. قلت : - لندع التأمل للفلاسفة، والتفكير لخبراء المناخ، أما نحن فلسنا مخولين لاختراق النواميس، والآن عليك أن تحاول استعمال هاتفك الجوال لنطمئن أولائك الذي تركناهم نائمين، وأختر كلماتك حتى لا تسبب لهم القلق والانزعاج، وستكون محظوظا إن استجاب لك، أرجو أن لا تكون هذه الرياح قد مرت من هناك. بعد محاولات عديدة فاشلة، تخلى عنه وهو يقول : - نحن في منطقة خارجة عن مجال التغطية، لا ثمة هوائي قريب من هنا، ثم تحرك مبتعدا قلت : - إلى أين؟ رد مازحا وهو يفرك راحتيه : - لجمع بعض الحطب والأخشاب لشواء السمك، ألا يوجد بالأثر الشعبي "من مات وهو شبعان شملته رحمة الله" نحن هنا خارج مجال الزكاة، والصدقة، والإطعام أيضا، مع أن هذا الأخير أديناه منذ الصباح بجود وسخاء. بعد انصرافه، نهضت بدوري، وقمت بجولة حول الكتلة الصخرية، وعندما رجعت وجدته قد اختار أربع سمكات، من صنف الديك الأحمر، وهو يقوم بتنظيفها وإعدادها. بعد أن تناولنا بعض ما حملنا وما أعددنا، بشهية وابتهاج كبيرين، أحضر من قفته كاظمة القهوة، وقد خيل إلي أنني رجعت إلى الزمن الذي كنت أخيم فيه، ولسنا بجزيرة، ارغمنا على اللجوء إليها، وأننا عالقين بها، أدينا الفريضة، ثم جلسنا نتابع تطورات البحر وتفاعلاته. حوالي الساعة الرابعة زوالا، بدأت الرياح تخف وتتراجع، وخلال نصف ساعة، هدأت تماما أو كادت، وأعلن البحر عن حقيقته، لم يكن شديد الإضطراب كما كان يبدو، والفضاء بدأ يستعيد صفاءه، صحيح أن الأمواج مرتفعة بعض الشيء، لكنها كانت تتوالى متباعدة، وهديره نقص كثيرا. قال رفيقي : - يلوح لي أننا نستطيع أن نبحر الآن، أليس كذلك؟ أجبته وأنا أفكر في الطريقة المناسبة التي أتفادى بها خطر الموج. - نعم، يمكننا ذلك، لكن من الأفضل الإنتظار لبعض الوقت. قبل الغروب بحوالي ساعتين قلت له: - علينا أن نرتدي صدار الإنقاذ تحسبا واحتياطا، كانت المرة الأولى التي استعملناهما منذ أن اشتريناهما، قبل سنوات، إننا لا نستطيع المكوث هنا إلى أن يحل الظلام، وإن تأخرنا، فستكون عملية استنفار قصوى، تشارك فيها مراكب الصيد الكبيرة، والحماية المدنية، وحراس السواحل وربما حوامة أيضا، هيا … لنتوكل على الله. تفقدت خزان البنزين، فإذا به لا يزال يحتوي على كمية كبيرة، وبصعوبة وفقنا في الإبتعاد عن شاطئ الجزيرة. كان علي أن أسير في خط منكسر، أواجه الموج، مرة ثم ألتف لأجعله خلفي مرة أخرى مبتعدا عن الشاطئ قدر المستطاع، إلى أن واجهنا شاطئ الصخر الأسود. فككت مثبت المحرك، وتركته حر حتى يرتفع ولا ينغرز في الرمال، كان هناك نفر من الناس أغلبهم من صيادي المنطقة، ينتظرون، ويتابعون على أي نحو ستنتهي تلك المناورة قلت لرفيقي: - استعد جيدا، سأنتظر الموجة الثانية، وسأنطلق معها بسرعة، وربما قد ينقلب بنا الزورق عند انكسار الموج، وكاد أن يقع ما توقعت، لولا دخول اثنين من الحضور إلى الماء، والقبض على جانبي الزورق. قال أحدهما : - لقد تتبعنا كل ما جرى معكما، منذ ان اقتربتما من الجزيرة، ونعم التصرف الذي قمتم به، إنه زورق صغير، لكنه جيد ورائع، فحمدا لله على سلامتكما. وحمدنا الله بدورنا، وكان أثمن شيء تحصلنا عليه من هذه المغامرة، غير المقصودة تجربة أخرى، لا يمكن الفوز بها بين قوارير وأنابيب المخابر، والدرس الذي لن تتوفر عليه كتب ومناهيج التعليم بكل مستوياته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة | السمات:قصة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























