بدون عنوان.. قصة بقلم الروائي السعيد شمشم..

كتبهاالكاتب ، في 6 أغسطس 2007 الساعة: 13:10 م

سواء كان القول لي أو لسواي، وكان معناه العام مشترك بين القراء، المستنبطين للمعنى الداركين للفحوى، فثمة كتب حسنة الإخراج، مطنبة في الوصف، بارعة في رصف الحوادث، منمقة اللغة، لكن عندما تنتهي من قراءتها، تأسى على الزمن الذي رافقتها فيه، عندما يتعذر عليك فهمها، فهي لاتقدم لك رأيا أو هدفا، أو تجربة تعتمد في الحياة، لأن الغموض يكتنفها، أو أنها عاجزة عن تقديم فكر واضح لصاحبها، حتى لو أعدت قراءتها مرارا.
وقد تبلغ ما يفوق الخمسين من عمرك، لتكتشف صنفا آخر يتحدث عن منحى من مناحي الحياة، ويحببها إليك، لكن بعد فوات الأوان، لأنك على تمام اليقين، أن ما بقي لك منها قسط يسير، وأنك لم تحيى بعد، وما أصابك منها سوى بعض ريحها الملوث، فأنت ما رأيت من زرقة السماء، ونقائها، واكفهرارها، وعبوسها، إلا من خلال مساحات حددت أبعادها الجدران العالية، فكانت متناهية الصغر، وإلى أصناف الطيور، عدا تلك التي شاءت لها الأقدار أن تكون مثلك في القفص، تتسلى بشدوها وجمالها، أو تلك التي تعودت العيش معك في الحضر، وإلى آلاف الأنواع من الأسماك، المتباينة الأشكال، والأحجام، والألوان، التي لا تنعم بعيشها وحياتها، وحريتها، إلا في غرقها. وكلما غاصت إلى الأعماق، وركنت إلى الفجوات، سلمت وأمنت، وأن الجانب منك الذي مازالت الحياة لم تدب فيه بعد، وأنت في وضعية النزول من قمة الهرم لا يزال عاجزا عن البصر، وستكتشف في ذهول، أن باطن قدميك شديدة النعومة، لأنك ما تعودت السير إلا على البلاط، والإسمنت المملس، والإسفلت المضغوط، ولم تحاول التفكير يوما، أن العالم لا ينتهي عند أفقك القريب منك، خاصة العالم الآخر الذي يمثل ثلاثة أضعاف اليابسة، وفي أعماقه أسفار من المعرفة لا تنفذ.
إن الأفكار البسيطة عن الحياة والكون، التي تتلخص في جمل معدودة، أو لا فكرة عنهما على الإطلاق، تحثانك دائما على العودة إلى الماضي، لأنه الوحيد المتيسر لك، وهو سبب تعاستك التي لا تشعر بها، وهذه التعاسة هي التي تأبى عليك أن تدرك أن البهجة التي تأملها غدا، لا تتحقق إلا ببهجة اليوم. ما جعل الأمل يموت في نفسك، ولا تدرك أن الحياة الحقة في جوهرها كأمواج البحر المتتابعة، قد نراها في مظهرها منفصلة، لكن الحقيقة، أنها لا تنثني لتنكسر، إلا لتظل دائنة لسابقتها في انحسارها، ومن السمك ما يتخلى عن جحره طواعية لأنه أصبح لا يسع جسمه، لسمكة أخرى أقل حجما.
الحدث كان صبيحة يوم من أواخر شهر ماي، خال من الضباب، ومن الرطوبة العالية المعتادة، وهذه الأخيرة قد تكون من العوامل التي تحد من نشوء التيارات المائية القوية، التي قد تعيقنا عن ما نحن بصدده، أما الضباب فإنه الخطر بعينه، فهو قد يسبب الضياع، ويقود حيث لا عودة، فنحن من الهواة، ونفتقد إلى الوسائل الحديثة التي تؤمن السلامة، وسلامتنا تكمن فيما اكتسبناه من خبرة.
كان الفضاء رائقا، وأشعة الشمس موخزة، لكن هبوب النسمات البحرية الغربية الخفيفة، لطفت من لسعاتها، وكان امتزاج الزرقتين معا، والرؤية الجلية الواضحة، التي تيسر تحديد المعالم الثابتة على اليابسة لمعرفة اتجاه السير، والموقع، حفزنا عل القيام بجولة.
في مثل هذا الصباح، الذي يغري هواة الصيد على الإبحار، كان من البديهي أن ننتهز الفرصة، ونستغل ما جادت به الطبيعة، وما علينا إلا تلبية الدعوة، وتحقيق الرغبة. فالبحر إن أخلصت له، ولم تعانده، وعرفت كيف تتحاشى غضبه، ولم تستهن به، وتجنبت سطوته، فسيقدم لك، ما لا يتيسر لحضن آخر من وفاء، وآلاء، وحب، ومتعة، وهو راحة من بعض الأمراض النفسية، منها والجسدية، وهو سفر آخر، ينمي فكرك ويلقنك جانبا آخر من الحياة، ومن هذا العالم الشاسع، لكن شرطا أن تكون بطلا من أبطال فصوله.
لم يكن دافع حماستنا، هي إغراءات الطبيعة وحدها، فقد تصادف أن التقينا أحد الصيادين المغامرين، جعل من الصيد مهنة، وهو يبيع كمية كبيرة من سمك "القجاج" وهو من السمك الجيد، المطلوب في السوق بإلحاح، وعندما سألناه عن مصدره، قال إنه من "الطالوع" وهو مكان يبعد بحوالي كيلومترين عن جزيرة "العوانة" وكنا حينها نرسو بشاطئ "برج بليدة" وقدرنا المسافة بخمسة كيلومترات في اتجاه الشمال الغربي.
كانت الساعة التاسعة صباحا أو نحوها، عندما دفعنا بزورقنا الصغير إلى الماء وهو زورق خفيف صنع من مادة غرائية والألياف الزجاجية، وكان علينا أن نسير حوالي نصف ساعة، لنصل إلى المكان الذي نقصده، وهكذا انطلقنا على صفحة الماء الهادئة، في سكون وصمت، لا يقطعهما سوى أزيز المحرك ذو الأحصنة الستة، وصوت الماء المنحاز على جانبي الزورق، مخلفين وراءنا، شريطا أبيض، ناتج عن دوران المروحة، وعلامة على السبيل الذي سلكناه.
ومثل أي إنسان عمته السكينة، وطمأنينة النفس، وكل تلك الروعة تحيط به، ولا يجد ما يعبر به، سوى الترنم بلحن ما، وهكذا كان حالنا، وعندما وصلنا إلى المكان، وتيقنا من تحديد الموقع أدلينا المرساة.
كانت لنا فكرة عامة عن أعماق المساحة المائية التي نحن عليها، فهي مجموعة من الكتل الصخرية تفصل بينها ممرات واسعة رملية، والعمق يقدر بحوالي ثمانين مترا، عن قاعدة الصخور، ويقل بنحو عشرة عند قمتها، ومثل هذه الأعماق، يقول عنها العارفون، أنها تأوي جميع أصناف السمك، ويصفونها بالسوق الأسبوعية التي يؤمها الجميع وهي تستهوي السمك الكبير القناص، وكان علينا أن نختار نوعية الشصوص، والسبيب الذي يناسب الموقع، وهكذا بدأت جولتنا ذلك النهار.
مضى علينا بعض الوقت، قد يكون ثلاثة أرباع الساعة، دون أن يتحرك أي شص، عدا بعض الإهتزازات الخفيفة، الناتجة عن التيار المائي البري القادم من الجنوب في اتجاه الشمال، وهذا النوع يحبط الهمة وحماسة الصيادين، ويتشاءمون منه، لكننا كنا نؤمن كما يقال بما هو مقدر لنا من قسمة ونصيب، ولهذا لم يساورنا القلق كثيرا، وهذا الأسلوب من الصيد قد يحتم على الصياد، أن يرمي بمزيد من الطعم، ذو الرائحة النفاذة، وينتظر حتى تكتشفه الأسماك البعيد، فبعضها لها عادات النمل تتطلب كشافا، ودليلا، لكن بعد فترة أخرى من الوقت، شعرنا أن ثمة ما هو غير عادي، مما جعلني أقترح على رفيقي، أن نرخي المزيد من الحبل للمرساة العالقة في الأسفل، حتى ننزاح بضعة أمتار عن موقعنا، فقطعة الرصاص إن وقعت على سطح صخرة أو بين النباتات الكثيفة، فيمكنك النوم معتبرا نفسك في غرفتك وعلى سريرك.
طال الترقب، وانقضت الساعات، ولا من زائر عابر، أو ناقر على الباب، والشمس مالت في الفضاء نحو الجنوب الغربي، وكأننا كنا نصطاد في بركة ماء عذبة، أو مسبح، وليس في بحر مترامي الأطراف، وعلى عمق ثمانين مترا، وهذا ليس من عادة بحرنا، فهو بطبعه معطاء، فالأسباب التي قضت أو جعلت الأحياء المائية تنفق أو ترحل، منعدمة عندنا أو تكاد، فشواطئ منطقتنا لا تزال نقية، عدا هذا التيار الخبيث القادم من اليابسة.
كنت قد بدأت أفكر بالعودة، عندما انتفض رفيقي وهب واقفا، وهو يقول، آه …. ها أنت قد كشفت عن نفسك أخيرا، تعالي عزيزتي، هيا تقدمي أكثر، لماذا تأخرت؟ وأين كنت كل هذه المدة؟ ألم يعجبك الطعم؟ ألا تعرفين أننا ما جئنا إلا من أجلك؟ وما تحملنا كل هذه المشاق إلا رغبة في صحبتك، هيا إلتقميها، ابتلعيها مرة واحدة، أقسم لك بشرفي أني ما اشتريتها إلا من أجلك، فلا تدعيها تسقط، وتضيع منك، هي تناوليها هنيئا مريئا، صدقيني فأنا في هذه اللحظة لا أحب أحدا سواك، والذي هداك إلي، ها أنا أدعها لك، فانقضي عليها، ليتك تشاهدين هذا الجالس قبالتي، أنا أعرف هذا البريق الذي التمع في عينيه، فهو يتخيلك ولكنك غادة جميلة، ضاع منها السبيل فتاهت في أحد الأحياء المشبوهة، وقد أحاط بها بعض الأوغاد، فأخذت تصرخ وتستغيث، تخدش وتعض، تركل وترفس، ولكن أنى لها الإفلات ولا من مغيث، ثم جذب السبيب بقوة مواصلا حديثه، على المغامر أن يكون شجاعا، وإني لأحمد لك شجاعتك.
قلت له وأنا أتابع حركاته، كان متوترا، وقد تصلبت عضلاته.
إن توقفت عن الصعود فلا تبذل معها القوة، وإلا فقدتها، هل هي كبيرة؟
أجاب، وكل جارحة من جوارحه مرافقة لها، إنها "هيشة" شرسة في مقاومتها، إنها تأبى أن ترتفع مترا واحدا، هي لا تتخبط كثيرا، بل تحاول الغطس إلى الأسفل، ألك رأي فيما يمكن أن تكون؟
قلت مستنتجا من وصفه :
قد تكون سمكة "ميرو" لا ترخي لها السبيب، حتى تخرج من منطقة الصخور، وإذا استطاعت أن تلج، أيا من الشقوق، فستضيع منك، وإن وجدت أن الأمر شاق عليك، إربط هذا الدن المغلق، واتركه يطفو على السطح، وهو كفيل بمهمة إرهاقها، عندها يسهل عليك جذبها، هز رأسه رافضا وقال :
ليست هي صاحبة القرار هنا، لقد جعلتها تبتلع الشص حتى أحشائها، ولن تستطيع التملص.
كنت في سبيلي إلى تقديم المزيد من الملاحظات، فرفيقي في هذه الجولة لم يكن من ذوي الخبرة الطويلة، لكن روحه المرحة والصبورة، كانت تعجبني، خاصة أنه لا يصاب بالدوار، وله طاقة كبيرة على مقاومة تعب البحر، واحتمال حرارة الشمس، وقبل أن أدلي برأي آخر، اهتز الخيط بين أصابعي، كانت الحركة فجائية فلم أتمكن من مجاراتها، فانتباهي كان منصبا على رفيقي، لكن الإهتزاز القوي لصنارتي أعادني إلى مابين أصابعي، ومرت لحظات وأنا كاتم لأنفسي، كنت شبه متيقن من عودتها، فأمامها أربعة شصوص أخرى تحمل الطعم، ولم يخب ظني، وبنفس الحركة السريعة، انقضت على الطعم الثاني، لكن هذه المرة كانت عالقة.
قلت لرفيقي الذي كان يجذب السبيب بتأني وبطء شديدين وقد لف يده اليمنى بقطعة شاش بيضاء وقد تحولت إلى حمراء قانية، بسبب الشقوق التي خلفها السبيب، هناك ما هو عالق بصنارتي أنا أيضا، ليس بالكبير، لكنه من النوع القوي الذي لا يستسلم، ولم أجد عناء كبيرا في إخراجها، وقبل أن تصل إلى السطح عرفتها، كانت أفعى البحر بلونها البني اللامع المنقط، واستعذت بالله من ذلك اليوم النحس، وكان علي التفكير في طريقة لفك الصنارة عنها، وقد أجد الشصوص الخمسة عالقة بها، وأمتار عديدة من الخيط ملتفة حولها، وعلي قطعها لأنها لم تعد صالحة للإستعمال، وأمامي اختيارين، إما أن أقطع السبيب وأتركها في الماء، أو جذبها، وتكسير عمودها الفقري، فهي الطريقة الوحيدة لشل حركتها، وهكذا قامت الكماشة والسكين بعملهما، وأخيرا وضعتها في القفة.
وما كدت أفعل حتى قال رفيقي، لقد اقتربت، أرى شبحها هناك لكنني لا أستطيع أن أحدد ماهيتها.
وملت على حافة الزورق، وشاهدت كتلة غبراء اللون، وجال بخاطري أنها قد تكون سمكة "راي" كبيرة، أو كمنجة، فشكلها لم يكن انسيابيا، ولكني لم أقطع برأي، وتركته يواصل الجذب لأرتب بعض أمور العودة، فالشمس على وشك الغروب، وبعد فترة قصيرة سيخلو سطح الماء من كل حركة حية، وتوقفت دهشا على شتيمة خاصة أطلقها رفيقي، وللوهلة الأولى اعتقدت أنها أفلتت منه، وملت مرة أخرى لأجد حذو الزورق، شظية كبيرة من جدع شجرة ضخمة بها قطعة حديد لعلها جزء من سفينة غارقة، أو زورق، كان التيار يحركها في الأسفل، فيلوح وكأنه سمكة تتحرك، فأفلتت مني قهقهة عالية.
قلت وأنا لا أزال في وضعيتي تلك، مهما كنت جادا وقويا، ومحترما، فستجد بين الحين والآخر من يسخر منك، وعندما رفعت رأسي وجدته قد جلس منهارا، وقد ترك السبيب من يده، فانساب كله مع الشظية التي أخذت في الإبتعاد، وهكذا أضاع اللفة كلها.
قلت محاولا التخفيف عنه:
هذا هو البحر، وهذا حظنا اليوم، يوم لك ويوم عليك، وفي أعماقي كنت أردد المثل القائل "جاء يسعى فأضع تسعة" لكن ما لا يمكن أن يشتري بمال، أو يعوضه السمك، هي الراحة النفسية، والصفاء الذهني خلال الأسبوع القادم في العمل، وفي الحياة اليومية وسط الضجيج، فالبحر كما يقال مهدئ للأعصاب.
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “بدون عنوان.. قصة بقلم الروائي السعيد شمشم..”

  1. بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    لاول مرة ازورك “ما شاء الله على مدونتك………..

    ارجو لك التوفيق والسداد

    الفاضل الكريم اشكرك على تشجيعك للمبدعين هذا حقهم علينا

    على الاقل نشر اانتاجاتهم والتعريف بهم………

    بدورى ارشدك لشاعر مبدع كبير ورائع ومتواضع وصالح =

    ارجو التواصل معه……..

    http://husamdeen.maktoobblog.com/

    اهدى لزوارك الكرام هذا الحديث الشريف=

    عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال:

    قلت يا رسول الله:

    لم أرك تصوم من شهر من الشهور

    ما تصوم من شعبان؟ قال :

    ((ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه،

    بين رجب ورمضان،

    وهو شهر ترفع فيه الأعمال

    إلى رب العالمين،

    وأحب أن يرفع عملي

    وأنا صائم)) [رواه النسائي].



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر