سواء كان القول لي أو لسواي، وكان معناه العام مشترك بين القراء، المستنبطين للمعنى الداركين للفحوى، فثمة كتب حسنة الإخراج، مطنبة في الوصف، بارعة في رصف الحوادث، منمقة اللغة، لكن عندما تنتهي من قراءتها، تأسى على الزمن الذي رافقتها فيه، عندما يتعذر عليك فهمها، فهي لاتقدم لك رأيا أو هدفا، أو تجربة تعتمد في الحياة، لأن الغموض يكتنفها، أو أنها عاجزة عن تقديم فكر واضح لصاحبها، حتى لو أعدت قراءتها مرارا.
وقد تبلغ ما يفوق الخمسين من عمرك، لتكتشف صنفا آخر يتحدث عن منحى من مناحي الحياة، ويحببها إليك، لكن بعد فوات الأوان، لأنك على تمام اليقين، أن ما بقي لك منها قسط يسير، وأنك لم تحيى بعد، وما أصابك منها سوى بعض ريحها الملوث، فأنت ما رأيت من زرقة السماء، ونقائها، واكفهرارها، وعبوسها، إلا من خلال مساحات حددت أبعادها الجدران العالية، فكانت متناهية الصغر، وإلى أصناف الطيور، عدا تلك التي شاءت لها الأقدار أن تكون مثلك في القفص، تتسلى بشدوها وجمالها، أو تلك التي تعودت العيش معك في الحضر، وإلى آلاف الأنواع من الأسماك، المتباينة الأشكال، والأحجام، والألوان، التي لا تنعم بعيشها وحياتها، وحريتها، إلا في غرقها. وكلما غاصت إلى الأعماق، وركنت إلى الفجوات، سلمت وأمنت، وأن الجانب منك الذي مازالت الحياة لم تدب فيه بعد، وأنت في وضعية النزول من قمة الهرم لا يزال عاجزا عن البصر، وستكتشف في ذهول، أن باطن قدميك شديدة النعومة، لأنك ما تعودت السير إلا على البلاط، والإسمنت المملس، والإسفلت المضغوط، ولم تحاول التفكير يوما، أن العالم لا ينتهي عند أفقك القريب منك، خاصة العالم الآخر الذي يمثل ثلاثة أضعاف اليابسة، وفي أعماقه أسفار من المعرفة لا تنفذ.
إن الأفكار البسيطة عن الحياة والكون، التي تتلخص في جمل معدودة، أو لا فكرة عنهما على الإطلاق، تحثانك دائما على العودة إلى الماضي، لأنه الوحيد المتيسر لك، وهو سبب تعاستك التي لا تشعر بها، وهذه التعاسة هي التي تأبى عليك أن تدرك أن البهجة التي تأملها غدا، لا تتحقق إلا ببهجة اليوم. ما جعل الأمل يموت في نفسك، ولا تدرك أن الحياة الحقة في جوهرها كأمواج البحر المتتابعة، قد نراها في مظهرها منفصلة، لكن الحقيقة، أنها لا تنثني لتنكسر، إلا لتظل دائنة لسابقتها في انحسارها، ومن السمك ما يتخلى عن جحره طواعية لأنه أصبح لا يسع جسمه، لسمكة أخرى أقل حجما.
الحدث كان صبيحة يوم من أواخر شهر ماي، خال من الضباب، ومن الرطوبة العالية المعتادة، وهذه الأخيرة قد تكون من العوامل التي تحد من نشوء التيارات المائية القوية، التي قد تعيقنا عن ما نحن بصدده، أما الضباب فإنه الخطر بعينه، فهو قد يسبب الضياع، ويقود حيث لا عودة، فنحن من الهواة، ونفتقد إلى الوسائل الحديثة التي تؤمن السلامة، وسلامتنا تكمن فيما اكتسبناه من خبرة.
كان الفضاء رائقا، وأشعة الشمس موخزة، لكن هبوب النسمات البحرية الغربية الخفيفة، لطفت من لسعاتها، وكان امتزاج الزرقتين معا، والرؤية الجلية الواضحة، التي تيسر تحديد المعالم الثابتة على اليابسة لمعرفة اتجاه السير، والموقع، حفزنا عل القيام بجولة.
في مثل هذا الصباح، الذي يغري هواة الصيد على الإبحار، كان من البديهي أن ننتهز الفرصة، ونستغل ما جادت به الطبيعة، وما علينا إلا تلبية الدعوة، وتحقيق الرغبة. فالبحر إن أخلصت له، ولم تعانده، وعرفت كيف تتحاشى غضبه، ولم تستهن به، وتجنبت سطوته، فسيقدم لك، ما لا يتيسر لحضن آخر من وفاء، وآلاء، وحب، ومتعة، وهو راحة من بعض الأمراض النفسية، منها والجسدية، وهو سفر آخر، ينمي فكرك ويلقنك جانبا آخر من الحياة، ومن هذا العالم الشاسع، لكن شرطا أن تكون بطلا من أبطال فصوله.
لم يكن دافع حماستنا، هي إغراءات الطبيعة وحدها، فقد تصادف أن التقينا أحد الصيادين المغامرين، جعل من الصيد مهنة، وهو يبيع كمية كبيرة من سمك "القجاج" وهو من السمك ال
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ